|
لقد تعارف الباحثون في القوانين الدستورية على اعتماد القبول بالسلطة الاجتماعية فقد تم الإقرار غالبا بان الدستور يعبر عن حالة استمرار القواعد التي تضمن استمرار النظام الاجتماعي ويكتسب أهمية خاصة مع حلول السلطة السياسية محل السلطة الاجتماعية للنظام القبلي.
والملاحظ إن اللائحة الأولى للدستور العراقي في عهد الانتداب ثم الصيغة النهائية للدستور الأول المعتمد للدولة العراقية الذي صدر في الحادي والعشرين من شهر آذار (مارس) من عام ١٩۲٥ قد اعتمدتا نبذ التوجهات القبلية واعتماد نظام حضاري قائم على أساس كون العراق وحدة لا تتجزأ كما أن الدستور اقر في مادته السادسة بعدم الاعتراف بأي فرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون وان اختلفوا في القومية والدين واللغة (١).
ولذلك لم يعش العراقيون أية بوادر للفرقة بينهم وكان كل همهم هو انتزاع البعض من حقوقهم المغتصبة التي اعترف بها الدستور أو القوانين المنظمة للأحكام أو تلك التي كانت من أولويات حقوق الإنسان التي اقر بها النظام العراقي وحاولت بعض الحكومات العراقية تجاهلها لأسباب عرقية.
وإذا أخذنا مواقف المواطنين التركمان والأكراد إزاء بعضهم البعض فأننا نرى أن التركمان لم ينكروا وجود الأكراد في منطقة كركوك وحواليها ولم يعمد الأكراد إلى تجاهل وجود التركمان أيضا من جانبهم. إلا أن الاختلاف الواضح كان في تركيز بعض سياسيي الأكراد ومثقفيهم بأن مقولة كون التركمان يشكلون أغلبية في كركوك هي غير صحيحة اعتقادا منهم بأن هذا الطرح سيخدم نظريتهم الرامية إلى اعتبار كركوك جزءا من المنطقة الكردية.
وقبل أن نتناول هذا الأمر نرى ضرورة إيضاح أمر هام طالما تغاضى عنه الأكراد بصفة عامة وانساق بعض مثقفي التركمان إلى اعتماد نفس المنطوق بمفهوم مخالف ألا وهو نشوء الحق الطبيعي لأي مواطن أو جماعة عرقية دون أن يكون العدد عنصرا هاما في إقرار هذا الحق فاستنادا إلى الدستور المنوه عنه والدستور المؤقت الذي حل محله والى جميع التعديلات والصيغ المعدلة فان الحق الطبيعي لمواطني العراق لا يترتب بكثرة العدد أو قلته ناهيك عن أن هذا الأمر محسوم بالنسبة إلى الإقرار الدولي في لائحة حقوق الإنسان وما اعتمده المجتمع الدولي برمته. فلو لاحظنا مبالغة بعض مثقفي الكرد في إخفاء عدد المواطنين التركمان في العراق فأن ما يسلمون به من بضعة مئات من الألوف يتجاوز حاليا نفوس بلدان مستقلة منخرطة في المجتمع الدولي و منضوية تحت عضوية الأمم المتحدة سواء في منطقة الخليج العربي أو في أوربا وأفريقيا.
بعد هذا الطرح نرى أن نعرج إلى استقراء للعدد الذي يجب أن نقبل به علميا كعدد تقريبي للمواطنين التركمان في العراق. لقد درجت الحكومات العراقية المتعاقبة على إخفاء العدد الحقيقي للتركمان وذلك بالتلاعب بنتائج الإحصاءات الرسمية وتزوير بعضها لأسباب عرقية محضة. وقد اعتمد بعض الكتاب العراقيون هذه الأرقام كحقائق مسلم بها بالرغم من اعترافهم بتوجه الحكومات العراقية المذكور.
ولسنا بصدد الوقوع في نفس الفخ الذي نحذر منه وهو اعتبار الكثرة العددية هو المصدر الأول للحقوق فقد رفض التركمان والأكراد اعتبارهم أقلية في العراق بعد الوعد الاجتماعي الذي قطعته الدولة العراقية على نفسها باعتبار العراقيين سواسية في الحقوق أمام القانون وان اختلفوا في القومية والدين واللغة كما لم يعبأ المثقفون التركمان والأكراد بتعهد الحكومة العراقية المعلن في الثلاثين من أيار (مايو) ١٩۳۲ بمناسبة إنهاء الانتداب البريطاني على العراق لأنه صدر استنادا إلى قرار مجلس عصبة الأمم الصادر بتاريخ ١٩ مايو ١٩۳۲ بإقرار نص التعهد المذكور والذي يعتبر القوميات غير العربية فيه اقليات تتعهد الدولة بحمايتها قبل إقرار انضمامه للعصبة علما بان التعهد المذكور يشير صراحة إلى كون العنصر الغالب في كركوك وكفري هم التركمان.(۲)
ويتذكر الكثيرون ما تم في كانون الثاني(يناير) عام ١٩٧۰ حيث اصدر مجلس قيادة الثورة في العراق قرار الحقوق الثقافية للمواطنين التركمان والذي تقرر بموجبه تدريس اللغة التركمانية في مرحلة الدراسة الابتدائية وجعل وسائل الإيضاح باللغة التركمانية في تلك المدارس وإصدار الصحف والمجلات الأسبوعية والشهرية التركمانية واستحداث مديريات الدراسة التركمانية والثقافة التركمانية، فقد أصر المواطنون التركمان على رفع لافتات تشير إلى إقرار (وليس منح) الحقوق الثقافية كما أن الاحتجاجات الواقعة بسبب إفراغ هذه الحقوق من محتواها وإغلاق المدارس التركمانية وشل المديريات التركمانية باشغالها من قبل بعض أشباه الأميين كانت المؤشر لحوادث مؤسفة وانتهاكات واضحة لحقوق الإنسان تعرض إليها المواطنون التركمان في كركوك والمناطق التركمانية الأخرى عام ١٩٧١بعد ان تبنوا مطلب اعادة الحقوق الثقافية الى اصحابها الشرعيين.
ولعل الكثيرون وضمنهم شرائح هامة من المواطنين التركمان أنفسهم لا يعلمون السبب الذي حدا بالحكومة العراقية إلى الاعتراف بالحقوق الثقافية للمواطنين التركمان في هذا الوقت بالذات ولتوضيح ذلك نشير إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد اعتمدت قرار تصفية كل أنواع الممارسات الخاصة بالتمييز العنصري في الحادي والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) عام ١٩٦٥ حيث تم إعداد الوثيقة الدولية لتوقيع الدول الأعضاء في المنظمة، ودخلت حيز التنفيذ في الرابع من كانون الثاني (يناير) ١٩٦٩وقد وقعت الحكومة العراقية على الوثيقة في الثامن عشر من فبراير عام ١٩٦٩ إلا أن اعتماد توقيعها لم يكن ليتم دون المصادقة على بنود الإعلان الدولي من قبل السلطة التشريعية في البلد المعني، ولما كان مجلس قيادة الثورة قد حل محل السلطة التشريعية في العراق واعتبرت قراراته وفق الدستور المؤقت بقوة القانون فقد قام بالتصديق على محتويات الوثيقة الدولية بتاريخ ١٤ كانون الثاني(يناير) من عام ١٩٧۰ مع تحفظين أولهما تقليدي وينص على عدم اعتبار اعتماد الوثيقة المذكورة يعني بأي شكل من الأشكال الاعتراف بإسرائيل، وثانيهما بعدم اعتبار العراق نفسه ملزما بأحكام المادة ۲۲ من الوثيقة وعدم قبولها بالتالي بإجراءات التقاضي الدولي الملزم من قبل محكمة العدل الدولية. وبعد أسبوع من عملية التصديق اصدر مجلس قيادة الثورة قراره المذكور بإقرار الحقوق الثقافية للمواطنين التركمان وأودع نسخة من ذلك في وثائق الأمم المتحدة، إلى هذا الحد انتهت إجراءات الحكومة العراقية في تبرئة نفسها من تهمة التنكيل بالمواطنين وغصب حقوقهم، خاصة وأن هذا القرار تبعه قرار آخر يخص الأقلية الآشورية وقرار ١١ آذار (مارس) للأكراد والمعروف إن هذه القرارات فد أفرغت من محتوياتها العملية شأنها في ذلك شأن قرار إقرار الحقوق الثقافية الخاصة بالتركمان. بعد ذلك وفي أقل من سنة تراجعت الحكومة.
العراقية عن جميع وعودها وبدأت بإغلاق المدارس التركمانية التي كانت لها الغلبة في كركوك مثلا معتمدة على عدم متابعة المجتمع الدولي لهذه الأمور بدعوى أنها ممارسات تخص السياسة الداخلية كالمعتاد) ۳).
وعودا على عدد المواطنين التركمان وفق المنطق المنوه عنه أعلاه فأن اقل رقم صرحت به الحكومة العراقية تشير إلى عدد المواطنين التركمان بواقع ٨۰۰ ١۳٦ نسمة (٤)، وبالرغم من تعارض هذا العدد مع الواقع الحقيقي بكل المقاييس وباعتراف الدولة نفسها واكثر الكتاب والمؤرخين الذين سنأتي على ذكرهم فأن من المفروض أن يكون عددهم في أواخر عام ۲۰۰۰ يناهز ۰۰۰ ٥۰٥ نسمة وذلك وفقا للبيانات الإحصائية التي سنرد على ذكرها لاحقا. وللأسف نرى اكثر الكتاب الذين يهمهم إثبات كون كركوك غير تركمانية بل كردية أو عربية مثلا يستندون إلى هذه الأرقام وفقط عندما يتعلق الأمر بالتركمان وحدهم، في حين إن نظرة واحدة إلى نفوس قضاء تلعفر الواقع في أقصى الشمال الغربي من العراق والذي لا يختلف أحد في كونهم من التركمان فقط دون وجود أقليات عرقية فيه إلا بأعداد ضئيلة جدا ترينا وجود أغلبية تركمانية تفوق مائتين وخمسين ألفا من المواطنين في هذه المدينة وحواليها فقط. إن ذلك يدل دلالة واضحة على عدم جدية الرقم المذكور أعلاه كعدد فعلي للمواطنين التركمان والذين يسكنون في عشرات القرى المحيطة بمدينة الموصل وفي اربيل والتون كوبري وطوز خورماتو وقرة تبة وخانقين ومندلي علاوة على مدينة كركوك ذاتها. إن هؤلاء لم يكلفوا نفسهم عناء البحث أو اعتماد النتائج المعدلة لإحصاء عام ١٩٥٧ والتي أعلنتها الحكومة العراقية في عام ١٩٥٩ وبعد نجاح انقلاب ٩٥٨ فقد وردت المحصلة النهائية لهذا التصحيح مشيرة إلى اعتماد عدد المواطنين التركمان بواقع ۰۰۰ ٥٦٧ نسمة (٥). فإذا اعتبرنا نفس الأسس والمعايير التي استندنا إليها في تحصيل الرقم النهائي لعام ۲۰۰۰ نرى وفي ضوء عدم وجود أرقام صحيحة وموثقة فأن العدد الحالي يجب أن يبلغ ۲۲٦ ٩۰٤ ١ نسمة تقريبا.
لقد توصلنا إلى هذا الرقم باعتماد معدلات النمو السكانية في عموم العراق بواقع ۳,۲ % في الخمسينات والستينات والسبعينات و۲,٦%في الثمانينات و۲,٤% في أوائل التسعينات و۲,۳% ابتداء من عام ١٩٩۳وذلك حسب معطيات التقرير الاقتصادي العربي الموحد ١٩٩۳ والصادر عن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وصندوق النقد العربي، ومنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، الكويت ١٩٩۳(٦).
وبما أن معدلات النمو السكانية تتناسب تناسبا عكسيا مع تطور الواقع الثقافي والاجتماعي والبيئي لمواطني منطقة معينة ونظرا لكون التركمان غالبا من الشرائح التي نالت قسطا اكبر من التعليم فأننا نعتقد إن من المعقول حساب انحراف سلبي لا يقل عن نسبة عشرة بالمائة من هذه الأرقام لتكون المحصلة النهائية لعدد المواطنين التركمان في العراق حاليا ۰۰۰ ٧٥۰ ١ نسمة.
ولعل أهم مؤشر للحقيقة سيكون إجراء إحصاء سكاني نزيه ودقيق يعتمد المعايير العلمية وفي جو مفعم بالحرية في ظل نظام ديمقراطي تعددي بعيد عن أساليب القهر والتسلط وبأشراف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة وهو ما نأمل أن يتحقق في مستقبل مشرق بأذن الله وما يدعو إليه المواطنون التركمان في جميع المحافل الدولية والثقافية والعلمية دون مواربة ونأمل أن يحذو مواطنو العراق الآخرون حذوهم في هذا الاتجاه إذا كنا نتوخى جميعا العدل والأنصاف.
لقد أصبح الواقع القومي لمنطقة كركوك مدار تجاذب شديد اعترته للأسف حوادث عنف مأساوية وقد دأب الكثيرون من سياسيي المواطنين الأكراد ومثقفيهم إلى محاولة إثبات أن كركوك لم تكن تحوي في أي يوم من الأيام أغلبية تركمانية ويستشهد هؤلاء عادة بمؤلفات ذات مصدر بريطاني دبجت أثناء مفاوضات ولاية الموصل في أعقاب الحرب العالمية الأولى
أو بمؤلفات بعض الأكراد أنفسهم، كما لاحظنا أن معظم الكتاب الأكراد يستشهدون كحقيقة مسلم بها بمؤلف قاموس الأعلام لشمس الدين سامي والذي يعتبرونه موسوعة تاريخية وجغرافية عثمانية مهمة إذ ذكر فيه بأن ثلاثة أرباع أهالي مدينة كركوك هم من الكرد والبقية من الترك والعرب وغيرهم، وقد اعتمد الدكتور نوري طالباني في مؤلفه الموسوم (منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي) نفس الاتجاه فقد ذكر انه اعتمد في سرد المعلومات عن تاريخ المنطقة وماضيها وجغرافيتها على المصادر المعروفة بموضوعيتها وعلميتها الخالصة، تركية كانت أو عربية أو كردية أو غربية. واستطرد قائلا بأن مؤلف الموسوعة العثمانية (قاموس الأعلام) هو المؤرخ والرحالة التركي شمس الدين سامي الذي زار منطقة كركوك قبل قرن من الزمان ودون معلومات دقيقة عنها ولا يمكن أن يكون مناصرا للكرد (٧).
وسنحاول أن ندرج هنا حقيقة الواقع القومي لمنطقة كركوك ولكننا يجب أن نبدأ أولا بالتعريف بالرحالة والمؤرخ شمس الدين سامي الذي اعتبر ثلاثة أرباع أهالي مدينة كركوك من الكرد ومدى دقة معلوماته وأهميتها العلمية التي استند عليها الكتاب الكرد.
وللحقيقة فأن المرحوم شمس الدين سامي ليس تركيا بل هو الباني ولد في ألبانيا سنة ١۲٦٦ للهجرة ودرس في المدرسة المتوسطة اليونانية في يانية، وتعلم التركية والفارسية والعربية على مدرسين خصوصيين درسوه في البيت، ثم انتقل إلى اسطنبول وانصرف إلى الصحافة فأسس جريدة " صباح " اليومية وبدأ يكتب القصص فألف قصة " معاشقت طلعت وفتنت " والتي نقض بها نظام الزواج في الدولة العثمانية وألف قصة " ثورة كاوة الحداد " على الطاغية الضحاك فأبعد بشأنها إلى طرابلس الغرب! ولما عاد من المنفى انصرف إلى تأليف القواميس اللغوية والإعلامية (٨).
وللحقيقة أيضا فأن المرحوم سامي لم يكن رحالة أيضا، فهو لم يزر كركوك ولا بغداد التي كتب عنها وتشير الانسكلوبيديا الإسلامية بوضوح إلى أن مواد قاموس الأعلام مستقاة من كتاب Dictionnaire et de geographie universal d,histoire لمؤلفه Bouillet في حين اعتمد المؤلف على بعض المراجع العربية والفارسية وبعض الوثائق والتقارير السنوية الواردة من الولايات العثمانية وغير المدققة لإضافة مواد عن المدن الشرقية والعثمانية التي لم يتناولها المؤلف المذكور (٩)، ولو أردنا الاعتماد على دقة معلوماته فأن من الواجب اعتبار مدينة بغداد تركية بالكامل فهو يذكر أن اللغة التركية في بغداد كانت في الدرجة الأولى وفي الدرجة الثانية العربية (١۰).
إن اغلب المراجع الموثوقة تشير إلى كون منطقة كركوك تركمانية خالصة وان بدأ تغيير الواقع القومي لها من قبل الأكراد والعرب مؤخرا ولعلنا نتخذ الطريق الأصح في الإشارة إلى بعض هذه المصادر متوخين عدم الإشارة إلى أي مصدر تركي وتركماني مهما بلغت قيمتها العلمية المعتمدة وهي بالمناسبة تعد بالعشرات.
وقبل الإشارة إلى أية دراسة أو مرجع نشير إلى أن الحكومة العراقية قد أقرت بهذه الحقيقة كما جرى التنويه عنه في التصريح المصادق عليه من قبل المجلس النيابي بجلسته المنعقدة في الخامس من أيار (مايو) والموجه إلى عصبة الأمم ويتضمن تعهدات العراق إلى مجلس عصبة الأمم كما وضعتها اللجنة التي ألفها مجلس العصبة بقراره المتخذ في ۲٨ كانون الثاني ١٩۳۲ فقد أشار التصريح في مادته التاسعة أن العنصر الغالب في قضائي كفري وكركوك (أي مدينة كركوك) هم من العنصر التركماني واعتمدت اللغة التركية واللغة الكردية إلى جانب اللغة العربية كلغات رسمية وليس هناك من يعتقد أن الحكومة العراقية وهي الحساسة كثيرا آنذاك إزاء اللغة التركية كانت ستقدم مثل هذا الإقرار والتعهد لأقلية لا شأن لها (١١).
ويعرف المطلعون أن الحكومات العراقية المتعاقبة قد اعتمدت النسيج القومي للعرب والأكراد والتركمان منذ بدء نشأتها فقد طبعت اللائحة الخاصة بالمسودة الأولى للقانون الأساسي في ١٩۲١ باللغات العربية والكردية والتركية والإنجليزية، كما اصدر المندوب السامي البريطاني بلاغا توخى نشره في مدينة كركوك فقط بعد أحداث مذبحة كركوك التي ارتكبتها ثلة من الجيش الليفي من التياريين في الرابع من شهر أيار ١٩۲٤ باللغة التركية فقط، ويعلل المؤرخ عبد الزاق الحسني ذلك بكون اللغة التركية هي لغة أهل كركوك السائدة(١۲). علاوة على ذلك فقد تم طبع القانون الأساسي للدولة العراقية والصادر عام ١٩۲٥ باللغة التركية إضافة إلى اللغتين العربية والكردية. وأقر قانون اللغات المحلية رقم ٧٤ والصادر عام ١٩۳١ إجراء المحاكمات في المناطق التي تسكنها أغلبية تركمانية وعلى رأسها كركوك واربيل باللغة التركية كما تقرر بأن تكون الدراسة في المدارس التي يؤمها التركمان على الأغلب بلغتهم المحلية، وهي حقوق طبيعية سرعان ما اغتصبت كغيرها من مبادئ حقوق الإنسان في الوطن العراقي ولعل من ابرز ما يفيد بإقرار الحكومات العراقية لهذا المنحى أن الصحيفة الحكومية الوحيدة التي كانت تصدر في كركوك وتطبع من قبل رئاسة بلديتها كانت تنشر بالعربية والتركية فقط حتى عهد قريب.
يورد المفكر ساطع الحصري في كتابه الموسوم " مذكراتي في العراق " وفي معرض تصادمه عام ١٩۲١ مع الكابتن ن. فاريل القائم بأعمال مستشار وزارة المعارف آنذاك عندما رفض قبول وظيفة معاون مدير المعارف أن فاريل أورد اقتراحا آخر حيث قال له:
- اذهب إلى كركوك، تول وظيفة مدير المعارف هناك. هناك يتكلمون التركية، وأنت تعرف التركية! وقد كرر فاريل اقتراحه على رستم حيدر، رئيس الديوان الملكي بحجة أن أهالي كركوك يتكلمون التركية (١۳).
وقد أوضح خيري أمين العمري والذي له دراسات وأبحاث عديدة في تاريخ العراق الحديث في معرض حديثه عن السجال الذي كان يجري للحصول على عرش العراق بان كركوك تسكنها أكثرية تركمانية(١٤).
كما تطرق فريق المزهر الفرعون، أحد قادة ثورة العشرين إلى التركيب القومي لمناطق العراق فذكر أن الأقلية التي تسكن العراق والتي هي ليست بعربية الأصل والدم تسكن الشمال وهم أكراد في لوائي السليمانية واربيل وأتراك في لواء كركوك وعدد قليل من الأرمن والاثوريين والنساطرة في لواء الموصل(١٥)
كما أننا نرى عبد المجيد حسيب القيسي وهو الذي يصف نفسه في مقال نشرته له جريدة " الحياة " الصادرة في لندن بتاريخ ١ حزيران ۲۰۰۰ في معرض رد على نقد نشر حول كتابه الموسوم " الآثوريون " بأن اهتمامه بدراسة تاريخ العراق السياسي الحديث قد بدأ قبل نحو خمسين عاما فأنه يذكر في كتابه المذكور " كركوك مدينة تركمانية تعود أصول معظم سكانها إلى أصول تركية في حين تسكن بالقرب منها قبائل كردية شديدة البأس. " (١٦)
في حين يورد الكاتب سيار الجميل في معرض إطار التنوع السكاني في العراق وسكان الأقاليم فيما مفاده " أما الفئات التركمانية المنتشرة في أماكن معينة من شمال العراق، فقد استقطبت لها كل من كركوك في شرق دجلة، وتلعفر في غرب دجلة بقراهما ودساكرهما، وتعود هذه الجماعات السكانية في أصولها إلى الدول التركمانية التي حكمت في أجزاء من العراق " (١٧)
ولو نظرنا إلى مؤلف السيد منذر الموصلي الموسوم (الحياة السياسية والحزبية في كوردستان) فأننا نراه ينقل عن الصحفي الأمريكي ويليام ايغلتن الابن في كتابه جمهورية مهاباد – جمهورية ١٩٤٦ الكردية عن أن هناك منطقة
تصلح لتكون موضع أخذ ورد، هي مدينة كركوك في العراق فهي تكاد تكون مقسمة بين التركمان والكرد فسمة متساوية، في حين إن المنطقة التي تقع إلى الغرب والشمال الغربي، حيث آبار النفط، فإنها تحتوي على خليط من الفرى العربية والتركمانية. (١٨)
وبالرجوع إلى المؤلف المشهور (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) من تأليف ستيفن هيميسلي لونكريك (Longrigg) فأنه يتطرق إلى مواضع سكن التركمان فيقول: كانت بقايا الهجرات القديمة من التركمان متفرقة في تلعفر، وفي خط طويل من القرى على طريق الموصل من دلي عباس إلى الزاب الكبير، وتمركزت أكثريتهم في كركوك ويضيف أن مدينة كركوك الجميلة لم تتبدل كثيرا في القرنين الأخيرين، كما لم يتبدل خط القرى التركمانية الممتد على طوال الطريق الأعظم، ولا القرى العديدة التي يقوم سكانها بالزراعة الديمية "الديم". وكان النفوذ التركي يتغلغل في الأماكن التي يكثر فيها الدم التركي وتنتشر فيها اللغة التركية والمذهب التركي! وفد عمد لونكريك الى التعريف بكركوك في هذا المؤلف فذكر أن لسانها هي التركية. (١٩)
ولو أمعنا النظر في مؤلف آخر لستيفن هيمسلي لونكريك فأنه يصف التركمان بالمزارعين من سكان الفرى والذين لا يضمهم أي تنظيم عشائري ويوجدون بأعداد في مدن كركوك والتون كوبري وأربيل وكفري. وفي قرى فره تبة، وطوز خورماتو وداقوق وذلك على امتداد الطريق المتشعب بين بغداد والموصل، ويوجد عدد منهم في تلعفر في منتصف الطريق بين الموصل وسنجار. ويتطرق لونكريك إلى اندماج العنصر التركماني في الحياة العامة عراقيا بعد تسوية قضية الموصل فيقول: لم يحاول التركمان في كركوك وكفري، وفي القرى التابعة لهما أية محاولة للخروج عن نطاق الغموض الذي كانت له فائدته، فلم يثيروا أية مشكلة منذ أن تمت تسوية قضية الموصل. (۲۰)
تذكر المؤلفة البريطانية سارة جراهام براون أن محاولات تعريب منطقة كركوك وإرغام التركمان والأكراد للهجرة من مناطقهم السكنية في كركوك والموصل قد بدأت قبل حرب الخليج الثانية بكثير (۲١). أما ديفيد ماكداول فيقول انه وبالرغم من كون مدينة الموصل ذات أغلبية عربية فأن جميع المدن والقرى الواقعة على الخط الممتد إلى بغداد كانت مسكونة بالتركمان الذين يتكلمون التركية.(۲۲)
ولو نظرنا إلى فلاديمير مينورسكي فأنه يشير بدون مواربة في مقاله المسمى (التعريف بالمنطقة المتنازع عليها) في إشارة إلى الخلاف المشهور حول عائدية ولاية الموصل إلى أن التركمان يشكلون الأغلبية على طول امتداد الطريق الرئيسي التاريخي (ممر الحرير) والذي يمر من جنوب منطفة الموصل وفي اغلب المدن الواقعة عليه مثل تلعفر وأربيل والتون كوبري وكركوك وتازة- خورماتو وطاووق وطوز- خورماتو وكفري وقرة تبة. (۲۳)
ولو تمعنا في الأدب السياسي فان الكتاب الذي يحتوي على مذكرات المرحوم ناظم الطبقجلي فائد الفرقة الثانية التي كانت تتمركز في كركوك يشير إلى نظرة السلطة السياسية آنذاك إلى المسألة برمتها فقائد الفرقة يرفع تقريرا إلى الحاكم العسكري العام يشير فيه إلى الصراع العرقي في كركوك بين الأكراد وبين الأغلبية التركمانية للمدينة حسب قوله. (۲٤)
وفي تقرير آخر يشير الطبقجلي إلى مقررات مؤتمر المعلمين الأول المنعقد بتاريخ ۲-٥ شباط(فبراير) ١٩٥٩ منوها بأن الأكراد لم يكونوا أبدا أغلبية في كركوك بل احتفظوا بوضع الأقلية دائما لحد تاريخه. (۲٥)
ولو أمعنا النظر في الوثائق الرسمية البريطانية نرى الوثيقة المرقمة ۳٧١/١۳٤۲٥٥ لوزارة الخارجية البريطانية تشير الى برقية صادرة من السفارة البريطانية في بغداد الى الدائرة الشرقيةبتاريخ ١٨ تموز (يوليو)٩٥٨ تذكر فيها بأن " سكان كركوك يتكلمون التركية بنسبة بالغة ". (۲٦)
كما تشير وثيقة اخرى لوزارة الخارجية البريطانية برقم ۳٧١/١۳٤۲١۲ والمتضمنة برقية سرية برقم ١۲٨٦ في ١۲ آب (أغسطس) ١٩٥٨ موجهة الى وزارة الخارجية الى منطقة كركوك بأن فيها " أغلبية تركية " (۲٧)
ولعل الباحثون قد اطلعوا على ما يذكره حنا بطاطو في كتابه الثالث عن العراق وكما يلي:
" تقع كركوك، وهي مركز نفطي، على بعد ١٨۰ ميلا(۲٨۰ كيلومترا) إلى الشمال من بغداد. وكانت مدينة تركية بكل ما في الكلمة من معنى حتى ماض غير بعيد. وانتقل الأكراد تدريجيا من القرى القريبة إلى هذه المدينة. وتكثفت هجرتهم إليها مع نمو صناعة النفط. وبحلول العام ١٩٥٩ كان الأكراد قد اصبحوا يشكلون حوالي ثلث السكان، بينما انخفض عدد التركمان إلى ما يزيد قليلا عن النصف… وشهدت مدن تركية أخرى، مثل اربيل، عملية مشابهة. ولقد تكردت(أصبحت كردية) اربيل نفسها إلى حد كبير وحصل التغيير سلما. أما أهل كركوك، فكانوا اصلب عودا وحافظوا على روابط ثقافية حميمة مع تركيا وتوحدوا من خلال شعور اعمق بالهوية العرقية (۲٨)
أخيرا وليس آخرا نود أن نذكر بأن الموسوعة البريطانية التي لا يشك أحد في جدية المعلومات الواردة فيها والخاضعة للبحث والتمحيص تشير بشكل لا مواربة فيه إلى أن (كركوك في الأساس مدينة تركمانية ولو أن هناك من يتكلم العربية والكردية فيها أيضا (۲٩) ولو لاحظنا الطبعات المعدلة من الموسوعة المذكورة لرأينا أنها تشير إلى كركوك ونسيجها القومي محتفظة بالتركمان في المرتبة الأولى (۳۰).
لقد توخينا في هذا البحث إثبات الحقائق المعروفة التي يعرفها كل من سكن هذه المنطقة وان كانت بعض الجهات تحاول بشتى الطرق إثبات العكس لأسباب سياسية واقتصادية أو نزعات تفرديه يعلمها الجميع. إننا نرى الحل الأمثل في تكرار مقولة المواطنين التركمان الذين يدعون إلى عراق واحد موحد لا يطغى فيه عنصر على آخر ولا يغتصب حق لصغير أو كبير وتكون فيه الغلبة للكفاءة واعتماد المنهج العلمي الصائب.
۱. عبد الغني الملاح، "تاريخ الحركة الديمقراطية في العراق" المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت – الطبعة الثانية ١٩٨أيضا، ۰ ص ٥٧ وانظر أيضا الدكتور كاظم نعمة، "الملك فيصل الأول والإنكليز والاستقلال" الدار العربية للموسوعات، بيروت، الطبعة الثانية ١٩٨٨ ص ١۲٥ والسيد عبد الرزاق الحسني " تاريخ الوزارات العراقية" دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الجزء الأول، الطبعة السابعة ١٩٨٨ ص ۳۳٩.
۲. السيد عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، الجزء الثالث ص ١٩٦.
۳. راجع وثائق الأمم المتحدة ٦٦۰ U. N. T. S ١٩٥
٤. ليث عبد الحسن الزبيدي" ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ في العراق"، منشورات مكتبة اليقظة العربية، بغداد، الطبعة الثانية ١٩٨١ ص ۲٨.
٥. زبيدة عمر، مجلة Inquiry البريطانية، فبراير ١٩٨٧، ص ۳٧.
٦. د. كاظم حبيب" المأساة والمهزلة في عراق اليوم"، دار الكنوز الأدبية، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٩ ص ٦۲.
٧. الدكتور نوري طالباني " منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي"، الطبعة الثانية ١٩٩٩ ص١٤.
٨. محمد جميل الروزبياني - ترجمة وتعليق" بغداد الجنة العامرة"، منشورات المجمع العلمي، بغداد ١٩٩٨ ص ١١٧
٩. الموسوعة الإسلامية، الجلد ١١، الطبعة التركية، اسطنبول، مطبعة التربية القومية، ١٩٧٩ ص ٤١٧- ٤١٨
١٠. محمد جميل الروزبياني، المصدر السابق ص ١١٨.
۱۱. انظر السيد عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق وأيضا ساطع الحصري " مذكراتي في العراق "، الجزء الثاني ١٩۲٧-١٩٤١، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٦٨ ص ٥٥۰، ود. وليد حمدي " الكرد وكردستان في الوثائق البريطانية "، مطابع سجل العرب ١٩٩۲ ص ۲۳٤ و د. عزيز الحاج " القضية الكردية في العشرينات"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى ١٩٨٤ ص ۲۰٨ وعوني فرسخ " الأقليات في التاريخ العربي "، رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى ١٩٩٤ ص ۳٩٧. أنظر أيضا " نشأة العراق الحديث " تأليف هنري فوستر، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، الجزء الثاني، الفجر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٩٨٩ ص ٤٧۲.
۱۲. السيد عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، الجزء الأول، ص ۲۰٦.
۳ساطع الحصري، المصدر السابق، الجزء الأول ١٩۲١-١٩۲٧، ص ١٤۰، ١٤١، ١٤۲.
١٤. خيري أمين العمري " حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث "، آفاق عربية للنشر والتوزيع، بغداد، ص٦٦.
١٥. فريق المزهر الفرعون " الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة ١٩۲۰ ونتائجها "، مؤسسة البلاغ – مطبعة النجاح – بغداد، الطبعة الثانية ١٩٩٥ ص ١۲.
١٦. عبد المجيد حسيب القيسي، " هوامش على تاريخ العراق السياسي الحديث- الآثوريون "، مركز الموسوعات العالمية – لندن، الطبعة الأولى ١٩٩٩ ص ٤١.
١٧. سيار الجميل " زعماء وأفندية، الباشوات العثمانيون والنهضويون العرب"، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، الطبعة الأولى ١٩٩٩ ص ١۳١
١٨. منذر الموصلي " الحياة السياسية والحزبية في كوردستان – رؤية عربية للقضية الكردية"، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ١٩٩١ ص ۳٨. وفد أشار الموصلي وهو يصف ايغلتن بأنه صديق الأكراد إلي ترجمة جرجيس فتح الله للكتاب ص ٧٥.
١۹. تيفن هيميسلي لونكريك، " أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث "، ترجمة جعفر الخياط، الطبعة الرابعة، ١٩٦٨ منشورات الشريف الرضي – قم – إيران. ص ۲١، ص ١۲۲ وص ۳٦١.
۲٠. ستيفن هيميسلي لونكريك، " العراق الحديث من سنة ١٩۰۰ إلي سنة ١٩٥۰، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، منشورات الفجر، بغداد، الطبعة الأولى ١٩٨٨، ص ۳۰ وص ۳١٥ ويذكر التكريتي في هذا السياق بأن مؤلف الكتاب قد شغل منصب الحاكم السياسي البريطاني في كركوك مدة ليست قصيرة، وألم بالكثير من أحوال التركمان وتصرفاتهم وسلوكهم في كركوك والقرى التابعة لها ولذلك فأن ما يصدره من أحكام في هذا الشأن تعززه المشاهدة والتجربة العملية.
۲١. سارة جراهام براون Sanctioning Saddam, The Politics of Intervention In Iraq - I. B. Tauris Publishers، New York، ١٩٩٩
۲۲. David McDowell، A Modern History Of The Kurds، I. B. Tauris، New York، ١٩٩٦
۲۳. فلاديمير ف. مينورسكي، مشكلة الموصل، ترجمة سالم شاهين، منشورات مركز الدراسات الكردية، اسطنبول، ١٩٩٨ ص ۲۲
۲٤. المحامي جاسم مخلص "ذكريات ناظم الطبقجلي ومذكرات المحامي جاسم مخلص " المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، ١٩٦٩ ً ٤۲۰، تفرير الطبقجلي إلى الحاكم العسكري العام المرقم ع س/ ٥٦/۳٦۳ بتاريخ ١٤-١٥ شباط (فبراير) ١٩٥٩
۲٥. المحامي جاسم مخلص، نفس المصدر، ص ٤۲۳
۲٦. العراق في الوثائق البريطانية ١٩٥٨-١٩٥٩، الجزء الأول، ترجمة وتعليق العميد المتقاعد خليل ابراهيم حسن، بيت الحكمة – بغداد، الطبعة الأولى ۲۰۰۰، ص ١٥٨.
۲٧. المصدر السابق، الجزء الثاني، ص ٥۰.
۲٨. حنا بطاطو " العراق – الكتاب الثالث، الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار "، مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة العربية الأولى – بيروت ١٩٩۲ ص ۲۲٤.
۲۹. الموسوعة البريطانية Encyclopedia Britannica، Volume ١۳، طبع في الولايات المتحدة الأمريكية ١٩٦٥ ص ۳٨٩
۳٠. لاحظ ١٩٩٩-۲۰۰۰ Britannica. com. İnc
لم يحقد النظام العنصري البائد على البشر فقط، بل وصل حقده إلى مدن عراقية معينة، وكانت كركوك في مقدمة هذه المدن. فمع بدء حملة التعريب في ۱٩٧٤، سلخت الأقضية التاريخية عن كركوك (طوزخورماتو ـ تم ربطه بتكريت ـ وكفري ـ تم ربطه بديالى ـ وآلتون كوبري ـ تم ربطه بأربيل) وقرر النظام الدموي باسم حفظ وصيانة الآثار التاريخية،اغتيال قلعة كركوك، بتخصيص (۲٥۰) مليون دينار لعمليات هدم أحياء القلعة في زمن الحصار والجوع واغتيال كرامة الوطن. حيث نشرت صحيفة(صوت التأميم) في عددها المزدوج السادس والسابع ۱٩٩٨ ما يلي:
((تنفيذاً لأمر الرئيس القائد صدام حسين حفظه الله تتواصل في محافظة التأميم أعمال رفع الأنقاض وصيانة الأماكن الأثرية التي سيتم الإبقاء عليها في قلعة كركوك وذلك بتخصيص ۲٥۰ مليون دينار وستقوم لجنة رئيسية تضم في عضويتها مجموعة من الكوادر المتخصصة من ديوان المحافظة ودائرة آثار التأميم لغرض تنفيذ العمل بطريق (أمانة) وبإشراف السيد الفريق الأول الركن أياد فتيح خليفة الراوي محافظ التأميم وسيتم إنجاز هذه المهمة خلال فترة زمنية أمدها ٧۰ يوماً)).
تحت مبرر الحفاظ على الطابع التاريخي المزعوم، تم تشريد سكان قلعة كركوك الذين عاشوا مئات السنين جنباً إلى جنب مع جامع النبي دانيال، وأثار كنيسة الأحزان، وبيوتها التراثية. فلهذه الآثار مكانة مقدسة لدى سكان القلعة الأصلاء توارثوها هذه المشاعر أباً عن جد هذه المشاعر حتى قبل أن يولد ميشيل عفلق بقرون. والبيوت التراثية لطيفور، وصديق العلاف، وعلي اَغا، وعبد الغازي أفندي بقيت مصانة ومعروفة. ولم تكن ثمة حجة جديدة لدى (حكومة الثورة !) يبرر كل هذا الحقد على هذا الجزء الغالي على قلب وروح كل تركماني عراقي سوى إكمال عملية الرتوش الأخير لتعريب مدينة كركوك (وهي العقدة المزمنة التي لم يستطع النظام التخلص منها ورافقته حتى انهياره في مزبلة التاريخ) الذي بدأ يتغيير اسم كركوك إلى (التأميم) وتغيير الطابع الديموغرافي للمدينة والذي أعلنه صراحة علي حسن المجيد في شريط كاسيت لاجتماعاته حينما كان محافظاً لمدينة كركوك والذي عثر عليه بعد اقتحام مقره على اثر اضطراره للفرار من المدينة أتناء الانتفاضة في ۱٩٩۱. وفيه يتحدث عن خطط لمسح الطابع التركماني عن أحياء وأسواق كركوك. يرد في الشريط مايلي :
((. . سوق القورية مثلاً نبني سوق غيره. اشويه اشويه ويجي يوم وأكول هذا تعويض أو أمسح السوق كله لأنه جاء شارع طويل. . أنا مخطط ۱۰،۲۰، ۲٥ سنة أكول السوق ينشال. بعد عشرين سنة يروح سوق القورية. خلاص مات سوق القورية. . حتى المدينة حاضرة لخطة كلش بعيدة).
وعند اقتراح لأحد أعضاء الحزب في إعطاء التركمان بعض المناصب، يرد هذا الجواب من قبل علي الكيمياوي : ((إذا ماعندو كارت الإيمان بالحزب والثورة، وصاير عضو شعبة أو فرقة في الحزب، والله ما أنطيه رتبة فراش في طابو كركوك (…) كل مدينة إلها تراث ولها كذا بس بكركوك ماجاعد تراث عدها. تراث نسويله فد زي و نكول هذه تراث كركوك، وان كركوك تنطق بالعربي مو بالتركماني. . هذا موضوع ينرادله دراسة خاصة. هذا ما مخلوق ونريد نخلقه مثل ما موجود طلائع من قبل وصار طلائع. بس نريد نسوي فد زي جديد ما مخلوق ونريد نخلقه. . )).
(منظر من سوق (القورية
عندما بدأ النظام البائد بحملته الحاقدة ضد مدينة كركوك، كانت قلعة كركوك التي تضم أحياء تركمانية عتيدة (زندان، آغاليق،حمام) هدفا رئيسا للنظام البائد.
قلعة كركوك كمعلم تاريخي
تقوم مدينة كركوك القديمة (القلعة) فوق مستوطن أثري قديم ورد اسمه في الألواح المستخرجة منه وعددها ٥۱ لوحاً يعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وقد تم العثور عليها في سفح القلعة صدفة عام ۱٩۲۳. وتقول المصادر أن البابليين سموها (أرابخا) وسمى الأشوريون المستوطن القريب منها (أرافا) والتي حرفت في التاريخ القريب إلى (عرفه).
تؤكد الكتابات المسمارية في الرقم التي تم العثور عليها في قلعة كركوك عام ۱٩۲۳ أن مدينة كركوك هي في الأصل مدينة ارابخا ,وهي الدولة المستقلة التي ظهرت في الألف الثاني قبل الميلاد. وكانت تقوم على مجرى نهر (خاصة صو).
تقوم مدينة كركوك القديمة (القلعة) فوق مستوطن أثري قديم ورد اسمه في الألواح المستخرجة منه وعددها ٥۱ لوحاً يعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وقد تم العثور عليها في سفح القلعة صدفة عام ۱٩۲۳.
قلعة كركوك، هي المدينة القديمة،وهي من أعرق المناطق التي تضم أحياء يسكنها التركمان منذ القدم. تقع في الصوب الكبير من مدينة كركوك شرقي نهر (خاصة جاي). يبلغ ارتفاعها عن مستوى الأرض المجاورة لها حاولي ۱٨م. تنحدر نحو الأسفل تدريجياً، شكلها العام دائري تقريباً. ولها أربعة أبواب. من الأماكن التاريخية الموجودة فيها :
-۱جامع النبي دانيال : معروف بمئذنته المعروفة التي يعود تاريخها إلى أواخر العصر المغولي، ويمتاز بناؤه بالعقادات،والأقواس الجميلة التي تقوم على قاعدة مثمنة.
-۲. الجامع الكبير (اولو جامع)ويسمى أيضاً جامع (مريم اَنا) ويعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر الميلادي.
-۳. القبة الزرقاء (كوك كنبد) بناء مثمن الشكل ذو طراز معماري جميل حيث تتخلله الزخارف الاَجرية النباتية، مطعمة بالقاشاني الملون، ومزينة بشريط من الكتابة في أعلى البناء من الخارج. يستدل منها أن القبة استخدمت في عام ٧٦۲ هـ ،وتضم رفات الأميرة التركمانية بغداي خاتون.
-٤. جامع عريان : يعود تاريخه إلى ۱۱٤۲ هـ. يقع وسط القلعة،ويتميز بقبته الكبيرة التي تقوم على أربعة أضلاع متساوية،ترتكز عليها ثمانية أضلاع تعلوها ستة عشر ضلعاً، تشكل قاعدة القبة التي يبلغ ارتفاعها خمسة عشر متراً.
- ٥. كاتدرائية أم الأحزان : وتسمى أيضاً (الكنيسة الكلدانية) وقد بنيت على أنقاض كاتدرائية قديمة. وهي مشيدة بالحجر والجص. تقوم سقوفها،و أروقتها على أقواس، وأعمدة من المرمر تعتبر بتيجانها الفخمة أية فنية في البناء المعماري. يعود تاريخ بنائها إلى سنة ۱٨٦۲
وأما بخصوص المسيحيين الذين كانوا يسكنون القلعة، المسيحيين الذين كانوا يسكنون القلعة فهم من أصول تركمانية وليست لهم لغة اخرى. يقيمون بها شعائر الصلاة والعبادة في الكنيسة الخاصة بهم والتي تدعى (قرمزي كيلسه) أي الكنيسة الحمراء، نظراً لوقوعها على تلة ذات تربة حمراء. يرتلون صلواتهم باللغة التركمانية من الكتاب المقدس (مدراش).
في كتاب (كرد وترك وعرب) لمؤلفه سي. جي. ادموندز (ترجمة جرجيس فتح الله، منشورات جريدة التآخي، ۱٩٧۱)يذكر عن (مسيحيي القلعة) مايلي :
((كانت كركوك في أيام الإمبراطورية الساسانية مركزا مشهورا من مراكز النساطرة، وكرسيا لرئيس أساقفة (بيت كرمي ـ باجرمي). هذه الطائفة يمثلها اليوم (الحديث في العشرينات) زهاء مائة وخمسين أسرة كلدانية. يسكن معظمها في الأحياء القديمة من التل (يقصد به القلعة) يدير أمورها الدينية مطران يدعى اسطيفان جبري. يتزعم الطائفة ثلاثة من أغنياء تجارهم وملاكهم هم : ميناس غريب،قسطنطين،وتوما هندي) . . ))
٦ ـ بوابة طوب قابي : تقع في الجهة الغربية من القلعة، وتطل على نهر خاصه، وهي البوابة الوحيدة المتبقية من البوابات الأربع (حلوجيلر،يدي قزلار،مصلى قابيسي)، ويعود تاريخها إلى أكثر من مائة وخمسين عاماً. تتميز بأقواسها المدببة والنصف دائرية، وقبوها الشبه البيضوي.
٧. ـ البيوت التراثية : تزخر قلعة كركوك بالعديد من الدور التراثية ذات المواصفات النادرة والفريدة. ومن هذه الدور (دار طيفور) التي تمثل الطراز المعماري التركماني القديم. تتكون الدار من ثلاثة دور متداخلة. الأولى ذات أعمدة مرمرية دقيقة، مداخل غرفها،ونوافذها مؤطرة بالمرمر والزخارف. الدار الثانية تتكون من مجاز وسرداب و كوشك،أما الدار الثالثة والتي تسمى (بيت العروس) فتتكون من ردهة صغيرة (طارمة)،وغرفة مستطيلة الشكل. تتميز هذه الدور بعقودها، وأقبيتها، وزخارفها الجصية، والنباتية، والحيوانية. ولكل دار من دور القلعة التراثية ميزات خاصة نكاد لا نجدها في الدور الأخرى التي اعتادت ان تروي همومها،وسرورها في جلسات سمر تركمانية.
المؤسف هو صمت العالم أمام هدم هذا المعلم الحضاري،التاريخي بحجة حماية وصيانة الآثار،وتشريد سكانها وهدم أحيائها تحت أنظار الرأي العام العالمي، الذي أقام الدنيا وأقعدها عند هدم تمثال بوذا في أفغانستان من قبل حكومة طالبان !

منظر من قلعة كركوك
ثمة أغبية تركمانية قديمة يبدو أن ذلك التركماني، الذي أودع فيها لوعته، كان يقرأ مصير القلعة منذ عشرات السنين في أغنيته الشعبية الخالدة :
ثلاث شجرات تين
في أعتاب القلعة
في معصمي قيود
وفي رقبتي أغلال
لا تشد سلاسلي
فذراعاي تؤلماني !
ويبدو القاص المبدع جليل القيسي في عباراته التالية التي وردت في مقابله له نشرت بمجلة الأقلام (العدد الثاني ۱٩٩٩)، وكأنه يقرأ ما لقلعة كركوك من مكانة أثيرة في نفوس أبنائها،وفي وعيهم ولا وعيهم :
((. . لقد ولدت على مسمع من ـ القلعة ـ. . ومنذ أن بدأت أعي، دربت أذني على (الخوريات)*الساحرة. . وأنا صغير كنت أغني تلك الأغنية الخالدة الذكر " ليتني كنت حجرا في أساس القلعة /لأصادق أولئك الذين لديهم أخوات حلوات /" أم أغنية " في أسفل القلعة يزرعون الذرة، ويقاسمونها بأنصاف ". حتى الآن أغني كل يوم أغني الخوريات، وأحلم أن أكون حجرا في أساس القلعة، ربما شمس من شمس ذلك الحجر أو أساسه أحلق واحلق)).
-الخوريات : رباعية شعرية تعتد على الجناس، تغنى بواحد وعشرين مقاما.
|
|
متى كانت مدينة كركوك قدسكم؟
"مناهجنا الدراسية سَبَبُ جهلنا لتاريخنا"
ش باشالار
|
يطل علينا بين الحين والاخر كُتابُ منهم يَعطون انفسَهم عددا من الالقاب كالباحث والاكاديمي والمختص والصحفي والى اخره، ليمطرونا بالنصائح والوصايا. علما بان مايكتبونها تخلوا كليا من الصفات البحثية والدراسية والاكاديمية. يحاولون ان يقنعوننا بان بديهيات الخير هي سياستهم واستراتجيتهم. كتاباتهم هذه مليئة بالتناقضات والتزييف. يتكلمون عن الوطنية العراقية من جهة ويدعون بان العراق شئ والاقليم الخيالي كردستان شئ اخر من جهة اخرى. يوصون بان لايتحدث احد عن كركوك وكانها مدينته الاصيلة او الخالصة ويعتبرونها مدينة جميع القوميات من جهة ويجزومون بانها قلب اقليمهم الوهمي وقدسهم ويستشهدون باصرار قادتهم على اغتصابها من جهة اخرى. ( خالد يونس خالد)
في اي زمن وعند اية مخلوفات كانت المدن تستملك بادعائات واصرارات قادتهم الخالدين؟
واخر منهم لايمتلك اية حدود في اطماعه الخيالية فيُوَسع رقعة كردستان الوهمية ليصف مايصادفه في سيره نحو الغرب من المدن ليست فقط ذو اكثرية كردية بل ومدنهم التاريخية. (نوري الطالباني، عوني الداوودي) والثالث يعتقد بانه انثروبولوجي (عالم انسان) وعالم اثار ويُرجِع اصل الكرد الى احدى اقدم حضارات الشرق الاوسط والانسانية الا وهي حضارة الخلف معتمدا على اساس واه الا وهو حدود حضارة الخلف (من كرمنشاه في شرق ايران الى ادي يمان في تركيا ومن افرين بالقرب من بحر الابيض المتوسط الى شمال بحيرة وان في تركيا) يتفق مع المناطق التي يتواجد فيها الاكراد في الوقت الحاضر مدعيا بان الاكراد لايزالون يعتبرون هذه المناطق موطنهم الاصلي ( مهرباد ازادي)، متناسين هجرة الاكراد الهائلة من ايران في القرون الاخيرة.
ان بحث الموطن الاصلى للشعوب يجب ان يكون للاغراض الاكادمية وخالية كليا من الاهداف السياسية والعنصرية. واذا اعتبرنا الساكنون الاصليون لارض ما هم فقط المواطنون الحقيقيون لاصبحت اليوم معظم سكان الكرة الارضية مواطنون من الدرجة الثانية.
اما الاسباب التي ادت الى التماس بتاريخ الاكراد في هذه المقالة فهي:
- صدرت في العقود الاخيرة اعداد كبيرة من المؤلفات الكردية الموجهة الى المجتمع الغربي والمحتوية على معلومات مظللة حول التركمان ومدنهم.
- لعبت المؤسسات الكردية في الدول الاوربية وامريكا من خلال الفعاليات السياسية والثقافية دورا مهما في اِيهام المجتمع الغربي على ان مدينة كركوك كردية وان التركمان اقلية صغيرة.
- بدأ التدريس باللغة الكردية بعد تشكيل المنطقة الامنة في شمال العراق. منذ ان نظم الحزب البرزاني المناهج الدراسية تُدرس شمال العراق على انها موطن الكرد الاصلي منذ الازل.
- اجتمعت هذه العوامل مع اجراءات نظام البعث الوحشية ضد المجتمع العراقي وخصوصا ضد القوميات الغير العربية وتَاثُرت المثقفين وكتاب المجتمع الدولي على ماحدث للاكراد فقط ودون الانتباه الى معانات القوميات الاخرى. وبدأت الصحافة العالمية تردد مايكتبها الاكراد من المعلومات حول معاناتهم وتاريخهم ومدنهم ودون التاكيد من صحتها. ويظهر اليوم عشرات المقالات في الصحف العالمية كواشنطن بوصط واشنطن تايمس ونبوبورك تايمس وبي بي سي مُوصفا مدينة كركوك التركمانية على انها مدينة كردية.
- تَسييس المنهج الدراسي في العراق بعد تاسيس الجمهورية وكتابته بمنطق عنصري قومي من قبل نظام البعث الدكتاتوري وحذف تاريخ القوميات العراقية الاخرى كليا من المناهج الدراسية اوحت للجيل الجديد بعروبة العراق منذ فجر التاريخ.
تُرجِع معظم المصادر الاكادمية الغربية اصل الكرد الى الميديون. (دافيد ماكدويل ص٨، هاي ص٣٦، ادموندس ص٥، ميديا، الميديا) الفرس والميديون تُعتبران المجموعتين الكبيرتين من المجاميع الهندو الارية اللتين كانتا يتكلمان لهجتين للغة واحدة توافدوا الى ايران من قوفاز واواسط اسيا في الالفية الثانية قبل الميلاد. سكنوا الميديون في سهل همدان وكانت عاصمتهم اكباتان او مدينة همدان الحالية. يحدد ماكدويل مناطق سكناهم انذاك بين طهران وهمدان. استطاعوا اسقاط الدولة الاشورية وحكموا نينوى ودامت امبراطريتهم ٦٢ عاما فقط (٦٦٢ – ٥٥۰ قبل الميلاد). و حسب ادموندس لم يتركوا اية مخطوطة. (ادموندس ص٥)
يُحذِر باول وايت من الاستعمال المفرط لكلمة الكرد ويقول: "ان الصعوبات في تعربف كلمة الكرد تواجه الاكاديميون منذ القِدَم. لايوجد هناك تعريف واحد متفق عليه". اما مينورسكي فيصف هذا الاصطلاح بالغامض والمبهم.
حسب ماكدويل كانت كلمة الكرد تعني "البدو" و حسب الطبري "بدو الفرس". يجزم ماكدويل في هذا الموضوع ويقول: "بالتاكيد بعد عصر الفتوحات الاسلامية بالف سنة كانت كلمة الكرد تعني طبقة اجتماعية اقتصادية معينة وليست اسما للقومية ويُطلق على البدو الذين يعيشون في المرتفعات الغربية لايران". (ماكدويل ص۹) اما الطبري فيقول "نعم، الكرد هم بدو الفرس، وأَحد منهم اوصى بحرق ابراهيم في النار" (الطبري جلد۲ ص٥٨). ويقول مينورسكي في مقالته الكوران: "كُتاب العرب والفرس الاخرين في القرن العاشر كانوا يطلقون كلمة الكرد على جميع البدو الايرانيين في غرب ايران". (مينورسكي ص۷٥) ويعتقد بعض المورخين في احتمال كون بعض الاصطلاحات الشبيهة لكلمة الكرد كالكيرتي، الكوردوجي، كارداكا وكوتي التي كانت تستعمل قبل الميلاد هم اجداد اكراد اليوم. ويذهب احد القوميين الاكراد في تحريف الاصطلاح كيرتي او سيرتي (Cyrtii)، الذي استعمله بولبيوس وسترابو، وكِتابته بالشكل الذي يتفق وميوله القومية كورتي (Kurti)، منطلقا من التلاعب في هذه الكلمة يجزم بان كلمة الكرد وبشكلها الحالي قد أُستعمل قبل الميلاد في عام ٢٢۰ – ٢٢۱ ( مهرباد ازادي). علما بان هذا الاصطلاح (Cyrtii) كان يطلق على المرتزقة البارثيين والسلوسيين الساكنين في جبال زاخاروس وانه ليس اكيدا اذا كانت تعني لغويا اسما للعرق. (ماكدويل ص۹) اما كلمة كوردوجي، والتي استعملها زينوفون لتسمية المجاميع التي حاربهم في مقاطعة زاخو، فيُحتَمل ان يكون يَعني البدو او اهل الجبل.
لايوجد هناك مصدران معتمدان يختلفان على ان الكرد هم من الاقوام الفارسية بل وهناك مصادر توكد على ان اللغة الكردية هي لهجة من اللهجات الفارسية. ان الاقليم الوهمي المسمى بالكردستان، والتي فشل الحلفاء رغم بذلهم جهود جبارة في تاسيس كيان اجتماعي سياسي قومي مستقل فيه بعد الحرب العالمية الثانية، يستوطن فيه عدد كبير من الاقوام. ان الظروف السياسية والاقتصادية والتاريخية الصعبة التي مرت بها هذه الاقوام والدعم والتعاطف اللامحدود الذي حصل عليه اصطلاح الكرد انذاك ادت الى تجمع بعض هذه الاقوام تحت هذا الاصطلاح رغم الاختلاف في اللغة والدين والثقافة والعرق. ( لايزنبرخ ، وايت ) يقول ماكدويل في هذا المعنى "انه من المشكوك فيه جدا ان يكون الاكراد يكونون مجتمع عرقي منطقي مترابط من ناحية النسب" ( ماكدويل ص٨). ويستمر في الصفحة التالية: "الدليل الاخر على التنوع العرقي في كردستان هو التنوع اللغوي". ( ماكدويل ص ۹)
الكرمنجي والصوراني والكوراني والزازا التي يصرون القوميون الاكراد على اعتبارهم لهجات كردية، تختلف في اُسس لغوية مهمة. ويرفض كل من ماكانزي، هادنك ومان وبشكل قاطع اعتبار الكوران والزازا اكرادا. (فان براونيسن ص۱٢۹) ويذهب ماكدويل على ان الكرمنجي والصوراني تختلفان في اساسين لغويين مهمين، هما القواعد والمفردات. ويُشَبه الفرق بينهما في القواعد كالفرق بين اللغتين الانكليزية والالمانية. اما الفرق في المفردات كالفرق بين اللغتين الهولندية والالمانية. بالنسبة له الكرمنجي والصوراني ينتسبان الى اللغات الايرانية الجنوبية الغربية، بينما الزازا والكوراني ينتسبان الى اللغات الايرانية الشمالية الغربية. ويتوقع ماكدويل على ان المجموعة الثانية تكونت من لغات اخرى كالدايلم او الخيلان. وحسب ماكدويل كان الكوران وحتى القرن العشرين تعرف محليا ليسوا باكراد ( ماكدويل ، ص٩ - ۱۰).
في الفتح الاسلامي اطلق العرب اصطلاح الكرد وبشكلها الحالي الى الذين يعيشون في غرب ايران. وحسب موروني كان هذا الاصطلاح يٌطلق في العراق على جميع القبائل الرعوية الغير الايرانية الذين يعيشون في اقصى الشمال. يخطا موروني في استعمال كلمة الغير الايرانية لان جميع الابحاث الحديثة تدل على ان الذين يسمون اليوم اكرادا يتكلمون لهجات مختلفة من اللغات الايرانية. ( لايزنبرخ ، ماكانزي، مان)
بعد الاشارة الى المسعودي يذهب موروني الى ان وجود الاكراد في عصر الفتوحات الاسلامية كانت تسمع عادة من خلال حوادث اللصوصية وقطع الطرق ضد جيرانهم او من خلال التعاون مع قبيلة اخرى في الهجوم على السلطات المركزية (موروني ص۲٦٥). اما ماكدويل فيذكر "عدد كبير من الرحالة والموريخون منذ القرن الحادي عشر عرفوا اصطلاح الكرد مرادفا لقاطعي الطرق. نفس المعنى اُستُعمِل من قبل الرحالة الاوروبيون في القرن التاسع عشر. بالنسبة له بدا استعمال كلمة الكرد ولاول مرة كتسمية للذين يتكلمون لغة معينة في اواسط نفس القرن. (ماكدويل ص۹۱٣)
يقول المقيم البريطاني في بغداد كلاوديوس جيمس ريج الذي قام برحلة الى شمال العراق في عام ۱٨٢۰ ومكث هناك لمدة ٦ اشهر ودرس المنطفة عن قرب: "قرية ليلان كبقية القرى الواقعة على الخط الكردي، أُنهِكت بغارات متكررة، ودمرت كليا ولعدة مرات من قبل الاكراد. توسل لي كهيا القرية ان استخدم نفوذي عند محمود باشا لاسترجاع ٣۰۰ من الاغنام التي نهبت من قبل الكرد. اهالي القرية واهالي جميع القرى المجاورة هم من العرق التركماني". (ريج ص٤٧)
يستمر ريج في الصفحة التالية: "قرة حسن تمتد على طول ٦ ساعات تستثمر سنويا ٨٥ الف بيياستر (عملة نقدية). الحرب الاخيرة والهجمات الكردية المستمرة اخلت هذه المنطقة من سكانها ودمرت الزراعة الى حد كبير". قرة حسن منطقة شاسعة تقع على جنوب شرق كركوك.
يقول فيبة مار حول نزوح الاكراد نحو الغرب في داخل العراق: "في التاريخ الحديث هاجروا الاكراد اماكن سكناهم في الجبال الى السفوح والسهول، وبنوا عديد من المستوطنات في مدينة الموصل وحولها في الشمال، وبنوا مدن ونواحي على طول نهر الديالى في الجنوب (مار ص۹). اما ادجر او’بالانسا فيصف انتشار الاكراد نحو العراق بدقة ويقول: "حتى الى نهاية القرن التاسع عشر، كان مشهد القبائل الكبيرة مع جميع مواشيها، وهم ينحدرون عبر جبال وسهول شمال الشرق الاوسط في البحث عن المراعي الخصبة، رائعة ومنذرة بالخطر - كاكراد بدو انتشروا كالطاعون من الجراد، يتغذون ويُعادون". (ادجر او’بالانسا ص۳۳)
اما هاي ففي صدد نزوح العشائر الكردية الى سهول اربيل فيقول: "نزلت قبائل ديزيي من الجبال قبل ثلاثة قرون واحتلت بضعة قرى حول قوش تبة. بداوا في النصف الاوسط من القرن التاسع عشر بالتوسع، واحتلوا المنطقة بالكامل حتى الى نهر دجلة. وفي اواخر عشرينيات القرن العشرين اصبحوا يشكلون ثلث سكان مقاطعة اربيل. ( هاي ص۸۱).
اما ماكدويل فيقول: "المدن والقرى التي تقع على طول الطريق الرئيسي من الموصل الى بغداد كانت مسكونة من قبل الذين يتكلمون اللغة التركية، وهم التركمان". "ولكن، كما لوحِظت من قبل اللجنة، ان الاكراد يغتصبون الاراضي الزراعية الخصبة ويستكرِدون المدن وبالاخص المدن التركمانية الواقعة على طول الطريق الرئيسي". ( ماكدويل ص۱٤٤)
ان نزوح الاكراد هذا لم يفقد شيئا من قوته في القرن العشرين، حيث ازدادت نسبتهم قي مدينتي كركوك واربيل التركمانيتين ازديادا هائلا. وظهرت في مدينة اربيل عدد كبير من الاحياء الكردية بعد ان كان هناك حيا كرديا واحدا في بداية القرن وحسب قول المقيم البريطاني للمدينة مابين ۱۹۱۸ – ۱۹٢٠. (هاي ص۸٢)
اما مدينة كركوك وحسب قول حنا باطاطو: "فكانت مدينة تركية بكل ما في الكلمة من معنى حتى ماضٍ غير بعيد، وانتقل الاكراد تدريجيا من القرى الى هذه المدينة. وتكثفت هجرتهم اليها مع نمو صناعة النفط. وبحلول العام ۱۹٥۹ كان الاكراد قد اصبحوا يشكلون حوالي ثلث السكان، بينما انخفض عدد التركمان الى ما يزيد قليلا عن النصف". (باطاطو ص۹۱٣) اما ماكدويل فيقول في هذا الصدد: "كان التوتر يتزايد احيانا بين التركمان، العنصر الغالب اصلا في المدينة (يقصد مدينة كركوك)، والكرد الذين سكنوا المدينة في ثلاثنيات واربعينيات القرن الماضي، النازحون من اراضهم ومن جشع مالكي الارض وللبحث على فرصة عمل في الصناعة النفطية المزدهرة. حتى عام ۱۹٥۹ كانت نصف السكان، والثي بلغت عددها ۱٥۰ الف نسمة، من التركمان، من غير شك كان اقل من النصف كرديا البقية كانوا من العرب، الاشوريين والارمن. ( ماكدويل ص۳٠٥)
ان التحليل الاكاديمي لأللغات المتداولة عند من يسمَون اليوم بالاكراد يُظهر جلية حداثة وصول الاكراد الصورانيون الى شمال العراق. يقول لايزنبرخ في هذا المعنى: "حجتي الاساسية التي اقدمها في القسم الثالث من هذه المقالة هي ان المصاهرة الحميمة بين اللغة الكردية المركزية (الصوراني) والكوراني يجب ان لا تُعزى الى الفرق في الانتقال اللغوي (الذي من المحتمل يجب ان يسبق الغزو المغولي) بل الى اكتساب المفردات والتي يجب ان يكون احدث عهدا بكثير، من المحتمل ليست قبل القرن السابع عشر". (لايزنبرخ) يُرجع الباحث الهولندي فان براونيسن ظهور الكورانيون في العراق الى القرن الرابع عشر. اما اصلهم فبالنسبة له فمن الدايلم ويحدد شمال وسط ايران كموطن للكوران قبل نزوحهم الى العراق. (فان براونيسن ص۱٢۹) بعد ارجاع اصل الزازا والكوران الى الدايلم الذين كانوا يسكنون الشواطئ الجنوبية من بحر الخزر، يقول كل من هادنك، مان، مينورسكي وماكانزي: "بين فترة واخرى كانت مجاميع كبيرة من الدايلم يهاجرون نحو الغرب بצن عام;ين ٨۰۰ – ۱۰۰۰ ميلادية. (وابت)
رغم ظهور بضعة قصائد شعرية باللغة الكردية خلال النصف الثاني للالفية الميلادية الثانية (خارج العراق)، يرى ماكدويل بان الادب الكردي حديث العهد فيُرجعه الى عشرينيات القرن الماضي, ( ماكدويل ص٣). يَرجع بداية ظهور الشعر الكردي في العراق الى الكتابات الشعرية للشيخ رضا الطالباني في بدايات القرن العشرين. وهذا يعتبر دليل اخرعلى حداثة قدوم الاكراد الى العراق.
رغم ان هوية كركوك التركمانية لاتقبل المناقشة ومعلوم لمن عرف او درس المنطقة، ساقدم هنا بعض من الالوف الوثائق المحايدة والمعتمدة. قد تُهدي الذين اخطاوا حتى في تعيين اقدس مقدساتهم مع التاكيد بان القرن الماضي يشهد على ان التركمان لم يدعوا بكركوك لانفسهم فقط.
تحت عنوان "كركوك، تموز ۱۹٥۹" يعتبر ٍسلوكلت التركمان المواطينون الاصليون لمدينة كركوك ويعتبر الاكراد القادمون الجدد. ويقول ايضا بان التركمان كانوا العنصر المهيمن على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المدينة. ( سلوكلت ص٤)
بالنسبة لماكدويل، وهو يشير الى خمسينيات القرن الماضي، لم يكن التركمان يشكلون العنصر الغالب في مدينة كركوك فقط بل كانوا الاكثرية في المحافظة ايضا ( ماكدويل ص٤). يقول في الصفحة ٣: "يطالب الاكراد بمدينة كركوك، رغم ان الاكثرية من سكانها تركمانية وحتى عام ۱٩٥٨" ( ماكدويل ص٣). اما البروفسور أ. ي. اوديشو، وهو من مسيحيوا كركوك، يقول: "ان اكبر كثافة سكانيّة لتركمان العراق توجد في مدينة كركوك، حيث المدينة مصبوغة وبشكل متميز بلغتهم و ثقافتهم وهويّتهم العرقيّة". (أ دواري. اوديشو)
عاش ادموندس عدة عقود في العراق واشغل مناصب عديدة من بينها مستشار وزير الداخلية والمشرف على محافظة كركوك ولمدة سنتان ونصف، ويقول في القسم المختص لمدينة كركوك من كتابه 'اكراد واتراك وعرب': في الزمن الذي اكتب فيه يُقَدر نفوس كركوك ﺒ ۲٥٠٠٠ نسمة، الاغلبية الساحقة يتكون من التركمان والاكراد يكونون حوالي ربع سكان المدينة، وهناك مجموعات صغيرة من العرب والمسيحيون واليهود". (ادموندس ص٢٦٥)
في حوار خيالي يجريه الكاتب والحقوقي التركماني حبيب هورموزلي مع كُتاب الاكراد، في مقالتيهِ المنشورتان في مجلة الاخاء، ( مجلة الاخاء ، العدد ۱٢، ۱٣)، يسالهم عن الاحياء الكردية في كركوك.
فيجاوبه احدهم: بالطبع ساذكر لك بعض منهم. إمام قاسم، الشورجة، رحيم اوى، ازادي، قرمزي كلسة واسكان.
هورموزلي: انه ليس من الصحيح ان تقول بعض منهم. بهذا الاسلوب سوف تُضِل القارئ. لانك لاتستطيع اضافة اي اسم اخر الى هذه الاسماء التي ذكرتها. علما بان الاحياء التي تتكلم عنها وُجدت حديثا في القرن العشرين وفيهم كثير من العوائل التركمانية. فاسمع لاذكر لك الاحياء التي يسكنها التركمان ومنذ مئات السنين وسترى بان عدد نفوس احد هذه الاحياء يعادل عدد الاكراد الساكنين في جميع الاحياء التي ذكرتها: بكلر، ساري كهية، شاتورلو، جرت ميداني، امام عباس، كاور باغي، مصلى، جقور، بريادي، جاي، قصاب خانة، يدي كزلار، حمام، اغالك، ميدان، التونجلار، نفتجلار، اوجي، يني تسن، حمزليلر، خاصة، بغداد يولو، جينيجلر، الماز، بولاق و حلوجلر.
انه من اللاحظ بان هذه الاسماء جميعها تركمانية. وحتي الشورجة وقرمزي كلسة اسماء تركمانية. الشورجة تعني مالح و وقرمزي كلسة تعني الكنيسة الحمراء.
يتحداهم هورموزلي في تركمانية اقدم عوائل مدينة كركوك. ويذكر العوائل التالية:
النفطجي، اليعقوبي، كدك، هورموزلي، اوجي، صالحي، جلالي، قيردار، قاصابلار، بيراقدار، علمدار، باصوان، كولمن، ترزي باشي، باياتلي، قوجاق، بزركان، ساعاتجي، كوزجي، نائب، قاضي، صاري كهية، صابنجي، كاياجي، اق قويونلو، كوبرلي، اودشلي، دميرجي، سامانجي، كتانة، جلبي، باليمز ودزدار.
اما العوائل الكردية الساكنة في كركوك (الطالباني، البرزنجة، الجاف والحماوند والديزيي و حتى بابان السليمانية) فيمكن قراءة فترات نزوحهم الى العراق في معظم الكتب التي تتناول تاريخ العراق وخصوصا في كتاب ادموندس "اكراد اتراك وعرب". يقول لونكريك عندما يصف اقليم شهرزور في القرن السادس عشر: "زنكنة، حماوند وجاف كانوا لايزالون في ايران". يرجع لونكريك اصل الصورانيين إلى عشيرة موكري الكردية الايرانية. (لونكريك ص٦)
يدعي الكاتب الكردي نوري الطالباني في كتابه ’ألسياسة العراقية للتطهير العرقي: محاولات تغيير الواقع القومي لمنطقة كركوك': "ان العثمانيون لم ينكروا التكوين العرقي لمدينة كركوك على ان اهل المدينة يتكونون من اكثرية كردية مع اقلية تركمانية. لذلك كانوا عادة يعينون كرديا او تركمانيا في موقع رئيس البلدية الحساس". ويستمر الطالباني: "ان معظم رؤساء بلدية كركوك في العصر العثماني كانوا من الاكراد. ومن هذا يجب ان يُستنتج بان اهالي كركوك يجب ان يكون اكرادا". كدليل على ادعائه يذكر طالباني اسماء اثنين رؤساء بلدية كركوك من الاكراد واثنين من التركمان في العهد الجمهوري.
يقول هورموزلي ان الطالباني باسلوبه هذا وادعائه يناقض الحقائق التاريخية ويحاول مرة اخرى ان يُضلل القارئ. يجزم هورموزلي على ان طالباني لا يستطيع اضافة حتى ولو اسما واحدا على هذين الاسمين الكرديين. يبدو ان هورموزلي يعتبر فترة رئاسة معروف البرزنجي لبلدية كركوك التي دامت حوالي ستة اشهر غير شرعية. البرزنجي عُين رئيس بلدية كركوك من قبل الانقلابيين في عام ۱۹٥٨. وكان قد أُعتبر من المخططين الرئيسيين لمذبحة كركوك في عام ۱۹٥۹واُعدم في عام ۱۹٦٣. اُستُشهِد نخبة قائدة من تركمان العراق في مذبحة كركوك وبالوسائل الوحشية. سُحلوا حتى الموت خلف السيارات في شوارع كركوك الرئيسية واخرين قُتلوا بوسائل همجية اخرى وعلقوا على الاسلاك الكهربائية على حافات الشوارع.
فيما يلي اسماء روساء بلدية كركوك ومنذ تكوين الجمهورية العراقية:
- العشرينيات: عبدالرحمن بريادي، مجيد يعقوبي وصادق صراف.
- الثلاثينيات: عبدالرحمن بكر وباقي اغا كدك
- الاربعينيات: حبيب الطالباني
- الخمسينيات: شامل يعقوبي، نورالدين الواعظ، فاضل الطالباني، معروف البرزنجي، وحبيب الطالباني.
- الستينيات والسبعينيات: حسام الدين الصالحي، مظهر التكريتي، ناظم الصالحي وابراهيم احمد.
والجدير بالذكر، كان منصب رئيس بلدية كركوك يُشغل بالانتخابات. ففى النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي أُلغيَت انتخابات رئيس البلدية. فعُين حبيب الطالباني انذاك مركزيا كاول رئيس بلدية كردي في مدينة كركوك. اما الكردي الاخر الذي اشغل منصب مقام رئيس بلدية مدينة كركوك ولفترة عدة سنوات حتى عام ۱۹٥٨ فهو فاضل الطالباني. ومما سبق ذكره يتبين وبشكل واضح محاولة طالباني في تحريف الحقائق.
يطرح هورموزلي السوال التالي في احدى الفقرات من مقالته: لماذا لم يصدر اية اصدارات باللغة الكردية في كركوك؟
تٌعتبر الجرائد والمجلات مراة تعكس الطبيعة القومية لاي منطقة ما وتكتب بلغتهم. العدد الاول فقط من جريدة 'النجمة'، التي صدرت في كركوك مباشرة بعد الحرب العالمية الاولى كُتبت باللغة العربية. من العدد الثاني بدات يُنشر باللغة التركمانية. بعد ان اشترت بلدية كركوك حق نشر هذه الجريدة غيرت اسمها الى جريدة كركوك 'واستمرت' نشرها حتى سبعينات القرن الماضي.
يقول هورموزلي: اذا كانت مدينة كركوك، كما يدعي الاكراد، كردية. كيف يمكن ان تكون الجريدة الرسمية للبلدية تُكتب باللغة التركمانية وحتى خلال فترة رئاسة الكردي حبيب الطالباني التي دامت اكثرمن عشرة سنوات.
المنشورات التركمانية الاخرى التي صدرت في كركوك: 'الحوادث' عام ۱۹۱٣، 'معارف' عام ۱۹۱٣، 'كوكب المعارف' عام ۱۹۱٦، 'نجمة' عام ۱۹۱٨، 'تجدد' عام ۱۹٢٠، 'إلري' عام ۱۹٣٥، 'الافاق' عام ۱۹٥٤، 'البشير' عام ۱۹٥٨.
يعتبر الموسيقى والغناء من اصدق الخصائص القومية لاهل اية مدينة ويٌغنى على الاطلاق بلغتهم. فيما يلي اسماء بعض من مطربي مدينة كركوك: شلتاغ، عثمان طابلاباش، رشيد كولة رضا، مصطفى قالايي، ملا ولي، مجالا، ’مالولله، ملا طه، شريف محاو، صالح حاوالا، محمد كولبوي، علي مردان، صدق بندة غفور، عبدالواحد كرزجي، عبدالرحمن قزل اي، عزالدين نعمت، كريم كولمن، كركوك قزي، فخرالدين اركيج، اكرم دوزلو، فائق نجار، سما بربر، علي قلعلي، تحسين كوكوك اوغلو وسامي جلالي وكثيرون اخرون. علما بان شلتاغ يعتبر موسس المقام العراقي وحسب الباحث الهولندي فان در ليندن.
انه لمن المشكوك فيه أن يكون هناك مطربا كرديا واحدا وُلِد وترعرع في كركوك واقام حفلة فيها وخصوصا قبل ثمانينات القرن الماضي.
اما شعراء كركوك فهم قاطبة من التركمان وفيهم كثير من المبدعين ولهم دواوين على مستويات رفيعة جدا. يعتبر الشاعر القدير رضى الطالباني (۱٢٥٤ – ۱۳۲۸) الشاعر الكردي الوحيد الذي عاش في كركوك. الطالباني كتب في التركماني اكثر من الكردي (حبيب هورموزلي) وله ديوان يحتوي على ٢٣٦ قصيدة شعرية مكتوبة بثلاث لغاتك الفارسية، التركمانية (٦٠ قصيدة تركمانية) والكردية.
فيما يلي اسماء قسم من شعراء كركوك وجميعهم من التركمان: دةدة هجري، محمد صادق، محمد مدني، عثمان مظلوم، رشيد عاكف، محمد راسخ، حسن كورم، رشيد علي داقوقلي، سعدالله مفتي، اسعد نائب اوغلو، جلال رضى تسنلي، عمر اغا برجيللي، خضر لطفي، علي معروف اوغلو، عزالدين عبدي بياتلي، ناظم رفيق كوجاق، محمد عزت خطاط، مصطفى كوك كايا، ناسح بزركان وصلاح نورس.
كانت الطواحين وحتى ستنيات القرن الماضي تعتبر من القطاعات الحيوية في المجتمع. فيما يلي اسماء الطواحين في كركوك التي كانت جميعها تركمانية: بيوك قرةباش، كوجوك قرةباش، كرمزي دكيرمان، جينلر دكيرمان، جنت، جقور، سبيل صو، كيراولي، توكات، الماز، اشكيلي، زيتونلي، شيشجي، شيخ اغلوا، اولولار، بكلر، نفطجي زادة، بيوك ملا قاسم، سيلاو، اورتا، تندرلي و ميكائيل اغلو.
طُبقت الانتخابات، التي تعتبر من اهم الاسس الديموقراطية، بعد تاسيس الدولة العراقية جزئيا في فترتين فقط. الفترة الاولى، بعد التكوين في عام ۱۹٢۱ وحتى منتصف الثلاثينيات. الفترة الثانية، بعد اعلان الجمهورية في عام ۱۹٢۱ ولفترة قصيرة ايضا.
فاز المرشحون التركمان في مدينة كركوك فوزا ساحقا وفي جميع انتخابات الفترة الثانية مع العلم وحسب قول الكاتب حنا بطاطو: "كانوا الاكراد وفي هذه المرحلة يسيطرون وبمساعدة الحزب الشيوعي على المحرّك العدلي والسياسي للمدينة". (باطاطو ص۹۱۳)
فيما يلي نتائج هذه الانتخابات والتي نشرت في جريدة البشير التي كانت تصدر في مدينة كركوك بين ۲٣ ايلول ۱۹٥۸ – ۱٧ مارت ۱۹٥۹.
۱. نقابة الحقوقيين في ايلول ۱۹٥۸، فازت قائمة التركمان باغلبية ساحقة.
۲. اتحاد الطلبة في ٢٢ تشرين الثاني ۱۹٥۸، فازت قوائم طلبة التركمان باغلبية ساحقة في جميع المدارس. (العدد العاشر ص۱٢)
۳. الهيئة الادارية لنادي الثورة في تشرين الثاني ۱۹٥۹، حصلت التركمان على جميع المقاعد. (العدد السابع عشر ص۱٠)
٤. نقابة المعلمين في ۲٣ كانون الاول ۱۹٥۹، فازت قائمة التركمان باغلبية ساحقة وحصلت على ٦٠٤ صوت من مجموع ۹٠٠ صوت. (العدد التاسع عشر ص۱٠(
٥. الهيئة الادارية لجمعية حماية الاطفال في كانون الاول ۱۹٥۹. فازت قائمة التركمان باغلبية ساحقة. وحصلت على ۹ مقاعد من مجموع ۱۱ مقعد. فاز بالمقعدين الاخرين كل من رئيس الصحة و طبيب مسيحي.
٦. الهيئة الادارية لنادي المعلمين في كانون الثاني ۱۹٥۹، فاز التركمان بجميع المقاعد التسعة.
٧. الهيئة الادارية لهلال الاحمر في ۱٣ شباط ۱۹٥۹، فاز التركمان بجميع المقاعد التسعة.
لم تُغير مراكز القوة في المجتمع الكردي في العراق من سلوكه في القرن العشرين. بعد ان كان العدوان على الجيران ونهب ممتلكاتهم يحدث على مستويات العشائر والاغاواتهم في الماضي، يحدث اليوم على مستويات الاحزاب والسياسيين والكُتاب والمثقفين، (نوري الطالباني ، عوني الداوودي ) مع التغير في الاسلوب فقط وذلك بتاثير التمدن والتطور الذي حصل في المجتمع الانساني. فُرغت جميع الموءسسات الحكومية من ابسط محتوياتها وخصوصا في مدينة كركوك خلال انتفاضة عام ۱٩٩۱: محطة تلفزيون ومديرية التربية واوروزدي بك والمكتبة المركزية. كي لايُعرف السكان الاصليون والاصحاب الحقيقيون للاملاك والاراضي في مدينة كركوك أحرقت الميليشيات الكردية دائرتي الطابو (مديرية تسجيل الاراضي) والنفوس (مديرية تسجيل النفوس) وبذلك اثبتوا وقادتهم جلية نواياهم اللصوصية وعقليتهم البدائبة. رغم الوضوح في تركمانية مئات القرى والنواحي والمدن في العراق من النواحي الثقافية والسياسية والتاريخية لا يتردد سياسيوهم وكُتابهم في المحاولة على وصفهم مدن كردية. أصَر جميع قادتهم وعلى مقدمتهم المرحوم مصطفى البرزاني على اغتصاب مدينة كركوك التركمانية.
اُزيلت الطاغية لتَعُم الديمقراطية ويُبنى العراق الجديد على الحقائق والوقائع.
المراجع:
- أدجر او'باللانس، "الثورة الكردية ۱۹٦۱ - ۱۹٧٠"، فابر وفابر، لندن ۱۹٧٣.
- ادوار اوديشو، "مدينة كركوك: لااصالة حضارية بدون تعددية"، جامعة جنوب شرقي إلينوس، شيكاغو ي. س. ل.
- باول وايت، " التكوين العرقي بين الكرد: كرمانجي، كزل باش وزازا".
- حبيب هورموزلي، "حوار بين الجد والهزل: تركمان العراق والطامعون في اللبن الاسود"، "مجلة الاخاء".
العدد ۱٢ والعدد ۱٣، السنة ٣، اصدارات وقف كركوك، استانبوب ۲۰۰۱.
- حنا بطاطو، "الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق"، طبعة جامعة برينستون، نيو جيرسي ١۹۷۸.
- خالد يونس خالد، موسوعة النهرين، "كركوك نقطة إلتقاء الثقافات في العراق".
- دافيد ماكدويل، "التاريخ الحديث للاكراد"، إ. ب. تاوريس وكو الناشيرون المحدودة ۱۹۹٦، لندن ونيويورك.
- دافيد نيل ماكانزي، ۱۹٦۱، "The Origins of Kurdish Transactions of the Philological Society".
- ستيفان ﻫمسلي لونكريك، "اربعة قرون من العراق الحديث"، مطبعة كلارندون، اوكسفورد ۱۹۲٥.
- عوني الداوودي، "كركوك، المدينة الضاحكة بالنار والنور".
- فلاديمير مينورسكي، "الكوران"، مجلة مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية، عدد ١١، - ۱۹٨٢/۱٩٤٣، لندن.
- سسيل جون ادموندس، "اكراد اتراك وعرب"، مطبعة جامعة اوكسفورد، لندن ۱۹٥٠.
- فيبة مار، "تاريخ العراق الحديث"، مطبعة وست فيو، الولايات المتحدة ۱۹٨٥.
- كلاوديوس جيمس ريج، "الاقامة في كردستان"، الجلد الاول، جيمس دونكان باترنوستر رو، لندن ۱۹٧۲.
- ماريون فاروق سلوكلت، " عراق منذ ١۹٥۸: من الثورة حتى الدكتاتورية"، إ. ب. تاوريس وكو الناشيرون المحدودة، لندن ۲۰۰۱.
- مايكل لايزنبرخ، "?Gorani Influence on Central Kurdish: Sabstratum or Prestige Borrowin"
- مايكل موروني، "العراق بعد الفتح الاسلامي"، مطبعة جامعة برنستون ۱۹۸٤.
- مارتن فان براونيسن، "اغا، شيخ والدولة"، رسالة دكتوراه، انتروبرنت/سكندبرنت رايسوايك ۱۹٧۸.
- مهرباد ازادي، "استكشاف الاصول الكردية".
- ميديون.
- الميديون.
- نوري الطالباني، "ألسياسة العراقية للتطهير العرقي: محاولات تغيير الواقع القومي لمنطقة كركوك".
- نوري الطالباني، "ماضي وحاضر كركوك".
- ولبم روبرت هاي، "سنتان في كردستان ۱۹۱۸ – ۱۹۲٠"، ويليم كلاوس اند سانس المحدودة، لندن وبسلس ۱۹۲۱.
- وليم ر. برينر، "تاريخ الطبري: تاريخ الرسل والملوك"، الجلد الثاني، مطبعة جامعة نيويورك.
|
|
حملات التطهير العرقي الكردية ونذر الحرب الاهلية في العراق
سليم مطر
|
منذ نهاية الحرب تتوالى الاخبار عن تصاعد حدة المواجهات بين الجماعات المسلحة الكردية والسكان العرب في شمال العراق. تقوم الجماعات المسلحة بالهجوم على المناطق السكنية العربية لتفرض على السكان مغادرة بيوتهم والتخلي عن اراضيهم بحجة انها مناطق كردية سابقة. ما يمر يوم الا ويسقط العديد من الضحايا، في كركوك والموصل وديالى، بل حتى في بغداد نفسها حيث تقوم العناصر المسلحة الكردية بالاستيلاء على البيوت وطرد سكانها بحجة انها كانت ملكا لاكراد. وتم تهجير حوالي الفي عائلة عربية من كركوك، وقد بلغ هذا التصاعد درجة من التطرف بحيث كلف اكثر من خمسين ضحية في يوم واحد(۲۰ ـ ٥ ـ۲۰۰۳) في كركوك، باعتراف ناطق رسمي كردي!!
وقد اتخذت حملة التطهير العرقي الكردية طابعا شرعيا بعد اصدار البرلمان الكردي قانونا يقضي بمصادرة ممتلكات العرب القاطنين في المنطقة بعد عام ١٩٥٧، واحلال الاكراد محلهم!!؟ ودعى القانون كذلك الى توسيع مساحة المحافظات الكردية الثلاثة(اربيل ودهول والسليمانية) لتستقطع العديد من الأقضية والنواحي من محافظات الموصل وكركوك وديالى!! ويبدو ان سياسة التطهير العرقي هذه مصحوبة ايضا بسياسة شبيهة بالتي قامت بها الحركات الصهيونية في فلسطين، حيث تقوم جهات كردية بالاتصال بأصحاب البيوت العرب والتركمان في كركوك والموصل وشراء بيوتهم بأضعاف اسعارها العادية!!
ويبدو ان هنالك تواطئ امريكي غير معلن عن هذه السياسة العرقية، إذ لوحظ دائما إنسحاب القوات الامريكية عن المناطق التي تهاجمها الجماعات المسلحة الكردية. من الواضح ان هذه المشاريع العرقية التوسعية مدعومة من قبل قوى الاحتلال، حيث صرح (جون سيوراس) المبعوث البريطاني للعراق (راجع صحافة ۲١ ـ ٥ ـ ۲۰۰۳) بالوعد باقرار حق توسيع مناطق الكيان الكردي في الدستور العراقي القادم!!
الضمير الوطني والمشاريع العرقية
انها لحالة خطيرة تمر بها بلادنا وتنذر باشعال حربا اهلية مدمرة لم يشهدها الوطن من قبل، فهذه لاول مرة في تاريخ العراق الحديث تتحول المشكلة الفئوية من "مشكلة سياسية" ومجابهات بين قوات الحكومة والميليشيات الحزبية الى "مشكلة اهلية" ومجابهات بين السكان انفسهم!! ويمكن ان تتوسع لتشمل التركمان والسريان وتمتد الى بغداد وتدفع الدول المحيطة الى التورط بها وتؤدي الى خراب بيوت الجميع بما ذلك القيادات الكردية نفسها!!
من اجل معالجة هذه المشكلة بصورة ضميرية ووطنية بعيدا عن المزايدات والاكاذيب الدعائية السائدة، نطرح الملاحظات والتساؤلات التالية:
ـ لماذا هذا التسرع والاصرار من قبل القيادات الكردية على تنفيذ حملات التطهير في هذه الظروف الحرجة والاستثنائية التي تمر بها بلادنا. أما كان من المعقول سياسيا وانسانيا التروي حتى تستقر الاوضاع ثم الاعتماد على الدولة والقانون من اجل تنفيذ مطالبهم، بدلا من إتباع هذا الاسلوب الفردي والعصابي في تأجيج العداوات وتوتير الاوضاع. . اين هي الحكمة والاتزان التي يطالبون الآخرين بها. . اين هي الوحدة الوطنية التي يرفعون شعاراتها!!؟؟
ثم ان مثل هذه المسألة المعقدة لا يمكن ابدا تركها هكذا لتقييمات العصابات المسلحة والمزاجيات الفردية وموازين القوى. ان هذه البيوت والاراضي المعنية من قبل الاكراد غير مقطونة حاليا بعناصر مخابراتية وكائنات وحشية مجرمة تستحق مواجهتها بالعنف والموت وسحب ممتلكاتها بلا رحمة او ضمير، بل هي مقطونة من عوائل وبشر معظمهم ابرياء تماما عن كل الاعيب السياسية. ثم ان عميلة التعريب لم تجر على طريقة الاستيطان الصهيوني كما يحلو للاخوة الاكراد تصويرها حيث تأتي الجماعات اليهودية المنظمة والمعبأة بالعداء الديني والآيدلوجي والعنصري للفلسطينيين وتستولي على البيوت والاراضي بحماية دبابات ورشاشات العسكر. بل المسألة فيها الكثير من الخبايا والمداولات والضغوطات والتنازلات. فمثلا كان يكفي للكثير من الاكراد والتركمان في المناطق المتنازع عليها ان يدعي بأنه عربي ويحمل زورا لقبا عربيا حتى يتم اعفائه من عملية التهجير. اغلب القاطنين حصل على بيته كموظف جلبته الحكومة واسكنته مع عائلته، مثلما يحصل مع كل الموظفين في العراق، والبعض الآخر قد اشترى الدار من ساكن سابق يمتلك اوراقا شرعية. بل ان البعض اشتراها بصورة مباشرة من ساكنها الكردي او التركماني الذي انتقل بوظيفته الى عمل آخر في العراق. ثم ان الكثير من هؤلاء الاكراد ما طردوا هكذا خارج بيته وارضهم في العراء بل اسكنوا في مناطق اخرى من العراق قد تكون اكثير قيمة. ثم ان الكثير من الاكراد قد هجروا بيوتهم من دون حملات تعريب بل نتيجة الاضطرابات العسكرية المستمرة في المناطق الواقعة على خطوط التماس. يكفي الاستشهاد ببعض الحارات الكردية في بغداد التي معضم سكانها من انصار الحكومة المختلفين مع الطلباني والبرزاني، ومنها مثال حي (باب شمس) في الموصل الذي يقطنه مئات الآلاف من الاكراد جميعهم من الذين هربوا من المناطق الكردية المجاورة اثناء حرب التسعينات(معركة ام الكمارك) بين الطلباني والبرزاني. اننا ابدا لا نبرر ولا نخفف من ادانة تلك الحملات التعريبية العنصرية التي لم نتوقف عن إدانتها في كتاباتنا، ولكننا فقط نريد ان نوضح انها من الناحية القانونية والانسانية تتضمن الكثير من التعقيدات والخبايا التي لا يمكن ان تحلها وتحكم عليها مجموعة من العصابات المسلحة، بل هي تحتاج الى القانونيين المختصين واشراف الدولة ورعاية باقي الاحزاب العراقية. ومن اكبر الدلائل على ان هذه الحملات العرقية الحالية ليست غايتها ارجاع الحقوق المهضومة بل غايتها تنفيذ مشروع قومي عرقي توسعي غايته تكريد المناطق وبالذات كركوك، حيث ان هذه الحملات لم تشمل فقط المناطق المتنازع عليها بل ان العصابات المسلحة قد هاجمت حتى المحلات السكنية المبنية لموظفي النفط ومؤسسات الدولة والبعيدة تماما عن مناطق الاكراد، منها مثلا محلات(البعث والاندلس) وغيرها!!
ـ ان مطلب العودة الى الحالة السكانية السابقة لعام ١٩٥٧ يبدو مطلبا خياليا وخاليا من اية حكمة وواقعية. فلو طبقنا مثل هذا المطلب على كل العراق فهنالك الملايين من السكان الذين يجب تهجيرهم، واول الخاسرين سوف يكونون الاكراد انفسهم. فهل نسيت القيادات الكردية ان هنالك حوالي مليوني كردي يقطنون في بغداد والموصل وباقي مناطق الوسط والجنوب، وان غالبيتهم الساحقة قد اتت بعد عام ١٩٥٧.
ثم لماذا العودة الى هذا التاريخ، فالتركمان والسريان يطالبون بالعودة الى تواريخ اسبق، حيث ان اغلب اكراد كركوك قد اتوا من المناطق الكردية المجاورة في الثلاثينات من القرن الماضي للعمل في حقول النفط وبسبب الخوف من هذه الحقيقة التاريخية قامت الجماعات المسلحة الكردية بعد حرب الكويت وكذلك بعد الحرب الحالية بالهجوم على دائرة الطابو في كركوك وحرق مستنداتها! ثم ان هنالك العشرات من القرى السريانية المسيحية في شمال العراق قد اصبحت كردية بعد هجرة سكانها الى بغداد والى الخارج بسبب ضغوطات الحروب الكردية ومغريات الهجرة، بل ان عمليات تكريد القرى المسيحية استمرت حتى اعوام قريبة جدا، ولا زالت مستمرة بصورة بطيئة حتى الآن. ثم لو عدنا اكثر الى التاريخ فأن اربيل نفسها لم تعتبر جزءا من كردستان حيث كانت حتى اوائل القرن الماضي بغالبية تركمانية سريانية، ولهذا السبب لم يطالب بضمها "الشيخ محمود الحفيد" الى مشروع إدارته، ولم تشملها قرارات تعليم الكردية في مداراسها في العهد الملكي. على اساس كل هذه الحقائق التاريخية التي يجهد اخوتنا الاكراد الى طمسها، هل يحق إذن الموافقة على مطالب بعض المتعصبين يتطهير الموصل وبغداد وكركوك من المهاجرين الاكراد؟! هذا ليس كلاما خياليا، فانا شخصيا سمعت من شاعر كردي ومسؤول في تنظيمات البرزاني قال لي بالحرف الواحد: ((يتوجب ارجاع اكراد بغداد الى كردستان))، لأن وجود الاكراد في جميع المحافظات وبالذات في عاصمة وطنهم العراق، يخربط الصورة القومية العرقية المرجوة من دعاة التطهير العرقي، لأنهم مثل كل القوميين العرقيين يحلمون بمناطق نقية عرقيا!
ـ ان الفيليين العراقيين الذين تم تهجبرهم ظلما من وطنهم العراق. . من الخطأ تماما وضع قضيتهم في سلة قضايا الاكراد. ان الظلم الذي مورس ضد الفيلية وتهجير ما يقرب المليون منهم لم يكن بسبب كرديتهم المفترضة بل اساسا لأنهم شيعة ويقطنون العاصمة العراقية ولعبوا دورا متميزا في الحركات الشيعية المسلحة اضافة الى دورهم المتميز في الحركات الماركسية المعارضة. ولم تكن "الكردية " هي الحجة المعلنة لطردهم بل احتسابهم زورا على ايران. ثم ان هؤلاء الفيلية لم يذهبوا الى المناطق الكردية بل بعضهم بقي في ايران وهاجر الاغلبية الى سوريا والى باقي المنافي العراقية. لهذا لا يبدو مشروعا ونزيها تكتيك القيادات الكردية باستثمار معانات الفيلية لتضخيم الشعور بالظلم لدى اخوتنا الاكراد، وكذلك لتبرير حملات النهب والاستيلاء على المنازل من قبل العصابات المسلحة الكردية في بغداد بحجة انها كانت ملكا لـ " اكراد"!!
ـ للاسف ان القيادات الكردية قد هيأت لحملتها العرقية هذه بحملة دعائية آيدلوجية منذ اعوام وحتى الآن تتلخص باعتبار معانات الاكراد في العراق مثل معانات الفلسطينيين مع إسرائيل، وهذا يعني ضمنيا تشبيه العراقيين باليهود الصهاينة، وهذا امر خطير مناقض تماما لشعارات الوحدة الوطنية التي يدعون اليها، ويمنح تبريرا للمواطنين الاكراد لحمل الاحقاد ضد اخوتهم العرب وبالتالي دفعهم الى القيام بمثل هذه الممارسات العنصرية الحالية وتبرير عمليات القتل والنهب والاستيلاء على بيوت واراضي اخوتهم العرب. ثم ان هذا التشبيه فيه اجحاف للحقيقة لاسباب واقعية وضميرية عديدة يعرفها الجميع ويقرها اخوتنا الاكراد انفسهم: ان الكردي على عكس الفلسطيني، حتى في ظل نظام البعث، يحق له السكن والاقامة والعمل والدراسة في جميع انحاء العراق، والدليل على هذا وجود هذه الالوف المؤلفة من الاكراد في بغداد وباقي العراق. وكذلك الكردي موجود في كل مرافق الحياة واجهزة الدولة العراقية بما فيها قيادات البعث والمخابرات وغيرها. والاهم من كل هذا ان الدولة العراقية لم تكن ابدا (دولة العرب ضد الأكراد) بل هي (دولة الرعاع والشاذين ضد العراقيين قاطبة). . وما المقابر الجماعية وضحايا النظام الموزعين على كل مناطق العراق بما فيها تكريت الا دليل على هذه الحقيقة التي يصر اخوتنا في الاعلام الكردي على تجاهلها والتعتيم عليها والتركيز على معانات الاكراد وحدهم!!
نداء العقل والضمير
ان اية نظرة عقلانية تحتكم الى المصلحة الوطنية وليس الى التعصب العرقي، تحتم على القيادات الكردية الايقاف الفوري لحملات التطهير العرقي وإرجاع المسلحين الى ثكناتهم ومناطقهم واعادة الممتلكات المصادرة الى اصحابها. ليس هنالك اية ضرورة قصوى تحتم مثل هذه الحلول السريعة العنفية. ان التبرير الوحيد الغير معلن لمثل هذه السياسة ليس مصالح إخوتنا الاكراد بقدر ما هي الرغبة باستغلال جروح الوطن وانكسار الشعب العراقي وغياب الدولة وتواطئ المحتلين من اجل الاستحواذ بأسرع وقت على كل ما يمكن الاستحواذ عليه والاحتفاظ به ثم فرض الامر الواقع على الحكومة القادمة!! ان المصلحة الوطنية تفرض تعليق هذه المشكلة بانتظار تشكيل حكومة وطنية وبرلمان يشرف على حلها. ونعتقد ان الحل الاسلم والاكثر واقعية هو التالي:
ـ ان يبقى كل شيء في مكانه. . إذا كان بعض العرب قد حصلوا على بعض مناطق الاكراد فأن الاكراد لهم العراق كله من اقصى جنوبه الى اقصى شماله يستطيعون ان يقيموا ويتاجروا ويزاولوا نشاطاتهم ولغتهم في كل بقعة من ارض العراق!! فما الداعي إذن الى طرد العرب من بعض المناطق الكردية والذي يعني قانونيا وضميريا ايضا طرد حوالي مليوني كردي قاطنين في مناطق غير كردية في بغداد والموصل وغيرها. ان الحل الامثل من اجل تهدئة خواطر الاكراد الذين يشعرون حقا ويثبتون قانونيا بأن بيوتهم قد طردوا منها واستولت عليها الحكومة البائدة، ان يتم تعويضهم ماليا وترك لهم حرية الاقامة في كل انحاء العراق. ان مليارات النفط التي يتم تبذيرها على الهدم والخراب يمكن ان يستخدم جزءا يسيرا منها من اجل حل هذه المشكلة بصورة جذرية ومن دون اية عواقب وبعيدا عن الحلول العنفية وحملات التطهير العرقي التي ستخلق بدورها مشاكلا واحقادا تهيئ لحروب لا تنتهي!!
ان العراق الجريح يهيب بكل اصحاب الضمائر من اخوتنا الاكراد، وبجميع العراقيين ونخبهم المثقفة والسياسية والدينية، وبمختلف فئاتهم من تركمان وسريان وصابئة ويزيدية وسنة وشيعة، الى تنظيم التجمعات والتظاهرات اينما تواجدوا واصدار البيانات والنداءات الى القادة الاكراد والى الامم المتحدة وامريكا وبريطانيا والى المؤسسات الدولية الرسمية والاهلية المعنية بحقوق الانسان، الى إدانة سياسة التطهير العرقي الجارية الآن في بلادنا والتي تجاوزت في عنفها وظلمها حتى السياسة العنصرية لنظام البعث البائد، ولتصرخ جميع الضمائر بصوت واحد: لا لحلول العنف والسلاح. . لا للمشاريع العرقية التوسعية المنافية للوحدة الوطنية. . ونعم لحكومة وطنية تمثيلية تشرف على احقاق الحق وانصاف المظلوم.
فتحت في هذه الأيام نوافذ النقاش الدائر بين الأكراد والتركمان في العراق والذي تجاوز عمره الخمسين عاماً من دون حسمه، وقد تركز في الأساس على ثلاث نقاط وهي موضع خلاف وتجاذب بين الطرفين: الأولى: الكثافة السكانية للتركمان في العراق. . والثانية: عائدية مدينة كركوك. . والثالثة: بداية وجود التركمان في العراق تاريخياً.
وفيما يتعلق بالنقطة الأولى فان الطرف الكردي يقلل نسبة التركمان إلى أقل من نصف مليون فيما الطرف التركماني يرفعها إلى اكثر من مليونين، ولكن على الطرفين أن يدركا إن العراق ومنذ نشوء الدولة العراقية لم يشهد إحصاءات دقيقة ونظيفة رغم أن العديد من الباحثين يرون صحة ودقة إحصائية عام ۱٩٥٧م التي تؤكد على أكثرية التركمان في مدينة كركوك المركز، ولكن الأكراد يقدحون في صحتها ويتهمونها بالتزوير كما هو حال نوري الطالباني في كتابه "منطقة كركوك ومحاولات تغيـير واقعها القومي" وبالتأكيد فان مصلحة الحكومة المركزية في بغداد والقيادة السياسية الكردية وحتى المعارضة العراقية بكافة فصائلها تكمن في تقليل نسبة التركمان في مدنهم لغاية سياسية في النفوس، فالدستور العراقي إلى اليوم لم يعترف بالتركمان كشريحة قومية كالدستور المؤقت لعامي ۱٩٧٠ و ۱٩٩٠م الذي ينص على (أن الشعب العراقي يتكون من قوميتين العرب والكرد) وهذا يعود في جذوره إلى النـزاع القائم بين العراق وتركيا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وتقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية إلى دول عديدة بخصوص مطالبة تركيا بولاية الموصل التي كانت تشمل كل كردستان العراق فضلاً عن كركوك.
ومن جانبه يطالب الكرد مدينة كركوك الغنية بالنفط الذي كان وسيبقى مصدر توتر في المدينة، فليس من مصلحة الكرد التطرق إلى حجم التركمان الحقيقي بل سعت القيادة الكردية ومنذ الخمسينات وفي خطة مدروسة إلى تشجيع الأكراد بالهجرة إلى كركوك وهي النقطة التي يغض الكرد الطرف عنها، وما ذلك إلاّ لأجل زيادة نسبة الكرد في المدينة كما فعلت الحكومة البعثية الحالية في تشجيع العرب من الوسط والجنوب وبامتيازات قانونية ومادية للإستقرار في المدينة بغية تقليل عدد التركمان لتكون المدينة عربية خالصة كما صرح بذلك قبل عدة أشهر عزت الدوري نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي لدى زيارته للمدينة ونقلته (الحياة) بتاريخ ۲٠/۱/۲٠٠۱م، فالطرف الكردي في ذهنيته يعتبر المدينة ورقة مساومة قوية وسياسية بيده في صراعه مع الحكومات المتعاقبة وورقة اقتصادية استراتيجية في حالة إقامة دولتهم الكردية الانفصالية التي هي حلم الأكراد عبر التاريخ، ومن جانب آخر وفي سياق الهجرة الكردية إلى كركوك فإن الآلاف من الكرد من السليمانية وأربيل هاجروا إلى المدينة بحثاً عن فرص عمل كانت متوفرة في كركوك اكثر منها في مدنهم لوجود شركة النفط وكثرة المعامل والمصانع، لذا يجد المرء عشرات المئات من الأكراد بملابسهم الكردية واقفين منذ الصباح الباكر في مناطق أحمد آغا أو على مقربة من الجسر الرئيسي أو أمام قلعة كركوك ينتظرون من يستفيد منهم كأيدي عاملة، وبمرور الأيام استقرت أوضاعهم الحياتية باستقرار وضعهم المادي في المدينة.
وفيما يخص وجود التركمان في العراق فان الأكراد يرون أنهم من بقايا الدولة العثمانية وبعضهم يحسن الظن بالتركمان فيرجع بداياتهم إلى العهد السلجوفي بيد أن كتابي (مروج الذهب) للمسعودي و (تاريخ الأمم والملوك) للطبري يحدّدان بداية هجرة التركمان من موطنهم الأصلي (آسيا الوسطى) إلى العراق بعام ٥٤هـ أيام الدولة الأموية التي استخدمتهم مثل الدولة العباسية كحماة للثغور وحراس للبلاط الحكومي آنذاك لما يعرفون بالخبرة القتالية والفروسية وحسب قول الطبري (ج ٤ص ۲۲۱) فإن "عبيد الله بن زياد قام في شهر ربيع الأول سنة ٥٤ للهجرة/ ٦٧۳ للميلاد بهجماته عبر نهر (جيحون) على بخارى فقاومه الجيش التركي تحت إمرة الملكة (قبج خاتون) مقاومة شديدة جلبت انتباهه وإعجابه فاختار ألفى مقاتل يحسنون الرماية بالنشاب فبعثهم إلى العراق" ومثله يقول البلاذري في(فتوح البلدان ص ۳٨٤) غير أن الهجرة التركمانية تكثفت أيام المتوكل العباسي الذي انقلب عليه ابنه المنتصر بالله بمساعدة ضباط وحراس تركمان في الحكومة كما يذهب إليه المؤرخان، لذلك ليس ثمة ارتباط بين التركمان في العراق وبين أتراك تركيا رغم تشابه لغتهم وجنسهم لان وجود التركمان في العراق أقدم من وجود الأتراك الذين هاجروا إلى تركيا قبل مائة عام من قيام الدولة العثمانية.
وأمّا ما يتعلق بمدينة كركوك فلم يحسم الطرفان الكردي والتركماني هذا النـزاع الجدلي الذي يعتبر قنبلة موقوتة تنفجر كل لحظة وتحديداً حيث تضعف الحكومة المركزية في بغداد أياً كانت والتي هي بمثابة صمام أمان للقتال الكردي التركماني، لأن جميع الحكومات العراقية لم تتخلّ عن شبر من أرض كركوك لصالح الكرد لاستراتيجية المدينة جغرافياً وسياسياً وأمنياً واقتصادياً، ويبقى النفط في صدارة تلك الاستراتيجية ولأجله يرفع الأكراد أصواتهم مطالبين المدينة ويعتبرونها (قلب كردستان) وهذا الإدعاء لا يمكن تأويله خارجاً عن دائرة النفط أيضاً، وتبقى العلاقة الكردية _ التركية هي البوصلة التي تحدد تلك الأصوات علوها وخفوتها، ثم إن الأحياء السكنية التي يتركز فيها وجود الكرد في كركوك لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة مثل (آزادي والشورجة وإسكان ورحيم آوة) وجميعها استحدثت في السبعينات نتيجة النقطتين الآنفتي الذكر (تشجيع القيادة الكردية بهجرة الأكراد إلى المدينة وقدوم الأكراد إليها بحثاً عن فرصة عمل)، لذا من المؤكد تاريخياً أن لا مقبرة مشهورة للكرد في كركوك إلى فترة أواخر السبعينات بعكس التركمان الذين تعود إليهم مقابر مشهورة بأسمائها مثل (مقبرة المصلى ومقبرة نفتجلر ومقبرة الشهداء ومقبرة سلطان ساقي و. . ).
وإذا كان الأكراد يتشبثون بسياسة التعريب في تذويب الكرد فإن هذه السياسة العنصرية شملت التركمان في كركوك بدرجة أقسى، لأن النظام يعترف بالكرد دستورياً ولكنه استخدم ضدهم هذه السياسة فكيف حال التركمان الذين لا يعترف النظام بوجودهم، لذا كانت حكومة صدام تصر حتى نهاية الثمانينات على أن يسجل كل تركماني قوميته في دوائر النفوس إما كعرب أو كرد، وبعد الانتفاضة الشعبية عام ۱٩٩۱م أصدر النظام قراره الجائر المسمى بـ (تصحيح القومية) في كركوك حيث وزعت مديرية إحصائها ورقة على الساكنين فيها لتغيير قوميتهم إلى العربية لا غير، أضف إلى ذلك ان التركمان ونتيجة الحرب العراقية الإيرانية وتهرّباً من الالتحاق بجبهات القتال سجل العديد من عوائلهم نفوسهم كأكراد بغية الإنضمام إلى (قوات الفرسان) التي أنشأها النظام خصيصاً للكرد في مواجهة الحركة الكردية المعارضة وقد قاتلت تلك القوات التي سمّاها الأكراد بـ (الجحوش) قتالاً مريراً ضد الأكراد أنفسهم وهي السياسة الخبيثة التي نجح فيها صدام ببراعة حين قاتل الأكراد بأيديهم، ودفع التركمان رشاوي على مسؤولي تلك القوات في قبال الحصول على وثيقة إجازة وعدم اللزوم في مقراتها.
وهناك ملاحظة جديرة بالذكر في هذا السياق وهي أن الأكراد يطالبون كركوك فيما لا يطالبون المحافظة المحاذية لهم وهي محافظة ديالى رغم أن فيها أعداداً كبيرة من الكرد وهو ما يعزّز بأن مطالبة الكرد لكركوك لا تفسر خارجة عن دائرة النفط الذي يسيل عليه لعاب جهات محلية وإقليمية، ولأجله بالتأكيد حدثت مجزرة كركوك الدامية في ۱٤/ تموز/۱٩٥٩م بمناسبة مرور عام على تأسيس الجمهورية العراقية والتي أشعلتها الحركة الكردية البارزانية بدعم من الحزب الشيوعي العراقي الذي كان الأكراد يسيطرون على قيادته، لذلك يوصم الكرد تلك المجزرة الرهيبة التي راح ضحيتها الآلاف من التركمان بأنها (اضطرابات) كما يقول عبد القادر البريفكاني في مقالته في (الحياة) ليوم ٨/٥/۲٠٠۱م رغم تأكيده بان (الصراع كان أكبر من أن يستوعبه قادة الكرد والتركمان ولا يمكن عزل هذه الأحداث عن محيطها العراقي) في تغطية واضحة للعقلية الكردية الطائشة في إشعال فتيل تلك الفتنة، وحسبما يفهم من عبارة البريفكاني بأن الكرد كان آلة في أيدي المحيط الإقليمي والدولي حين يضع أسباب المجزرة التي حدثت بأيدي الكرد إلى سلّة الغير في خارج العراق، واكثر من هذا حيث يدعي البريفكاني توحيد التركمان نضالهم مع الحركة الكردية في تجنّ واضح للحقيقة وتجاوز للواقع، فلم ينضم التركمان يوماً وفي طول تاريخهم إلى الحركة الكردية التي كانت بالأساس ورقة بيد شاه إيران مرة وبريطانيا مرة أخرى وروسيا مرة ثالثة حتى قلّدت روسيا مصطفى البارزاني وسام الجنرال في موسكو أيام الاتحاد السوفيتي لأنه خير من يمثل رغبات موسكو في العراق، لذا لا أحد يشكك في النزعة الانفصالية المتعمقة في جذور الأكراد لولا قوة العامل الإقليمي التي تمنع هذه النزعة من أن تتحول إلى واقع وتحول دون تحقيق حلمهم الكبير بتأسيس (كردستان الكبرى).
كما وأن مدينة كركوك في طول تاريخها والى اليوم لم تشهد ثورة أو انتفاضة كردية بعكسها في أربيل والسليمانية، الأمر الذي يؤكد على أن الكرد ليسوا أكثرية في كركوك، ثم إذا كان الكرد بقوته ونضاله حصل على المنطقة الآمنة في الشمال كما يدعي البريفكاني فلماذا لم يحصل بتلك القوة والنضال على مدينة كركوك؟ فما الذي يمنعهم من مطالبة أمريكا وبريطانيا والأمم المتحدة بإدخال المدينة ضمن جغرافية كردستان إن كانوا هم الأكثرية فيها؟، طبعاً لم يتجرأ أحد من قادة الكرد بهذه المطالبة رسمياً، وليس خافياً مسعى الحزبين الكرديين (الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني) في التلاعب بالورقة التركمانية واستخدامها في صراعاتهما الداخلية مثلما أكد الباحث العراقي مهدي السعيد في موضوعه عن الأقليات والمنشور في الحياة ليوم ٤/ آذار/ ۲٠٠۱م بيد أن معظم القوى التركمانية وقفت على الحياد في الصراع الدائر والحميم بين الحزبين الكرديين لمنافسة الزعامة الكردية والقضايا المالية، وهذا لم يمنع بعض الأشخاص من تأليف أحزاب تركمانية منحازة إلى طرف كردي ضد طرف كردي آخر بدعم مباشر من الحزبين، فوجود بعض الأشخاص من التركمان في حكومة الإقليمين ليس حباً لسواد أعين التركمان أو إيماناً من الكرد بأحقية التركمان في النيل على حقوقهم في ظل الحكومة الكردية التي تدعي ذلك، بل يدخل ذلك ضمن المنافسة السياسية الكردية- الكردية ولاستعطاف مشاعر تركيا وإرضائها بعد أن باتت تركيا الرئة الكبيرة والوحيدة التي يتنفس منها الأكراد اقتصادياً وسياسياً، لذا منع الحزب الديمقراطي الكردستاني عام ۱٩٩٦م جميع مكاتب المعارضة العراقية من البقاء في اربيل يوم شن بمساعدة الجيش العراقي حملة عسكرية ضد جماعة الطالباني وألقاهم إلى ما وراء الحدود الإيرانية، فلا يوجد اليوم في اربيل أي مكتب للمعارضة باستثناء (الجبهة التركمانية) التي فرضتها تركيا على الأكراد الذين لا يقدرون معارضة تركيا في كل إجراء تقوم به لأنهم يحصلون على دعم اقتصادي وسياسي وأمني من تركيا وأن العديد من قادة ومسؤولي الحزبين الكرديين يحملون الجوازات التركية فضلاً عن الإيرانية، والقيادة الكردية تدرك جيداً بأن طريقهم إلى واشنطن يمر عبر أنقرة التي تسعى لإنهاء حزب العمال الكردستاني بأيدي الحزبين الكرديين مقابل امتيازات اقتصادية، فالبريفكاني ليس بمقدوره -كما حاول- أن يقلل من دور تركيا في كردستان العراق ودعمها للحركة الكردية العراقية وخصوصاً للتيار البارزاني الذي ينتمي البريفكاني إليه، وإلاّ ما الذي دفع فجأة الحزبين الكرديين بقتال أبناء قوميتهم من حزب العمال الكردستاني واخيرا جند الاسلام لولا الدعم السخي لتركيا ووعوداتها العسلية. .
هناك مثل شائع يقول: «تعددت الاسباب والحجة واحدة» وقد يشكل هذا القول معادلة رياضية تنطبق على جميع الجوانب، ومن يخالفها يتحمل تبعات الخطأ الناجم عن ذلك، ومن الواضح ان الاحداث الاخيرة التي وقعت بين الاكراد والتركمان في مدينتي طوز خورماتو وكركوك شكلت نتيجة عملية للمعادلة السالفة، وقد تكون مثل هذه الاحداث الدموية التي راح ضحيتها العديد من الجرحى والقتلى تأكيدا على ان الوضع في محافظة كركوك ذات الاغلبية التركمانية حسب احصاء ١٩٥٧ يجب ان يتم تعديله ومعالجته من خلال مراعاة اغلبية التركمان على صعيد ادارة الشؤون المحلية في محافظة كركوك، وهو وضع يأخذ في الاعتبار حقوق الاقليتين الكردية والعربية في تلك المحافظة الغنية بالنفط، والتي تجاور الشمال الكردي من جهة، والشمال العربي من جهة أخرى.
وكركوك ذات الاغلبية التركمانية، مثلما ذكرنا سلفا، يقيم فيها ايضا الاكراد والعرب بحجم متفاوت، سواء في داخل مدينة كركوك او في النواحي والاقضية، حيث تعرضت هذه المحافظة الى تخريب وتعريب ديموغرافي من قبل النظام المقبور بعد ان سلخ منها اكبر قضاء فيها (طوز خورماتو) واضافة الى مدينة تكريت بعد ان اسماها محافظة صلاح الدين، وكذلك سمى كركوك محافظة التأميم، وهي تسميات لم يهضمها الشعب العراقي وانما بقيت الاسماء القديمة مشاعة التعامل في الاستدلال والعنوان.
قبل ان نلج الى الاحداث الاخيرة من المستحسن ان نعود الى الفترة التي سبقت نشوب الحرب الاخيرة، وهي الفترة التي شهدت تهديدات او تلميحات تركية تتعلق باطماع قديمة حول كركوك والموصل، وكذلك المطالبة بضمان امن التركمان في كركوك من الخطر الكردي عند حدوث الحرب وفي أعقابها، في حين ان الاكراد رفضوا دخول قوات تركية الى شمال العراق، وقد سرهم كثيرا عدم مشاركة تركيا في الحرب المذكورة. وبعد الحرب بفترة تقارب الشهرين اتهمت تركيا القوات الاميركية باحتجاز جنود اتراك في شمال العراق، الامر الذي ادى الى «زعل» تركي كاد ان يتسبب في تدهور العلاقات التركية الاميركية، لكن الجهود الدبلوماسية بين البلدين نجحت في اطلاق سراح الجنود الاتراك الذين كانوا بمهمة تتعلق بحماية مجموعة من التركمان.
وفي الايام الاخيرة عادت كركوك الى واجهة الاخبار في العراق اثر الاشتباكات التي اندلعت بين الاكراد والتركمان في مدينتي طوز خورماتو وكركوك، والتي سقط من جرائها عدد من الضحايا بين الطرفين، وكل طرف يتهم الطرف الآخر بكونه السبب في ذلك. وبغض النظر عن الاسباب التي راجت في وسائل الاعلام فان كركوك الغنية بالنفط كانت سببا مهما وراء مطالبة الاكراد بها، وخاصة جماعة جلال الطالباني (حزب الاتحاد الوطني الكردستاني) الذين رفعوا شعارا منذ عام ١٩٩١ مفاده «كركوك قدس كردستان» وها هي الجماعة الكردية المذكورة اصبحت طرفا مباشرا في الاشتباكات الدموية الاخيرة، خصوصا ان الشرطة في كركوك تتشكل غالبيتها من ميليشيات الطالباني، ناهيك عن ان محافظ المدينة هو الآخر من الاكراد.
التركمان يتهمون جماعة الطالباني بتفجير مزار شيعي (علي المرتضى) اعيد بناؤه اخيرا، على قمة جبل مطل على طوز خورماتو بعد ان قام النظام السابق بهدمه، لا سيما ان غالبية التركمان من الشيعة، في حين يرد الاكراد بأن الجبهة التركمانية الموالية لتركيا وبمساعدة عناصر من المخابرات التركية هي التي بدأت بالاستفزاز والهجوم بالاسلحة النارية على افراد الشرطة في كركوك وطوزخورماتو مما اضطر الشرطة الى الرد دفاعا عن النفس، لكن الذي جرى وسيجري في حقيقة الأمر بين الأكراد والتركمان مرده الى عامل الاستحواذ والسيطرة على ثروات هذه المدينة ليكون بالتالي العامل الاقتصادي هو الذي يقف بقوة وراء جميع الاسباب التي تلجأ اليها الاطراف المعنية.
لذلك، ستظل هذه المشكلة قائمة الى حين تبلور نظام الحكم في المستقبل، وكل طرف يستند الى ركيزته في الاحقية والمطالبة، اذ ان التركمان يستندون الى العامل الديموغرافي باعتبار ان كركوك تركمانية بحكم اغلبيتهم فيها، بينما يرد الاكراد ان كركوك كردية اعتمادا على العامل الجغرافي باعتبارها قريبة من كردستان، او هي جزء منها، كما ان هناك نسبة كبيرة من سكانها من الاكراد، مثلما يتهمون النظام السابق بتهجير العوائل الكردية منها ضمن خطة تعريبها.
ياجوج وماجوج اسمان لمنطقتين وشعبيهما ذكرا بالقرآن الكريم. وقد ورد اسم ماجوج بالتوراة (تكوين: ١۰/۲): [ سَامٍ وَحَامٍ وَيَافَثَ أَبْنَاءِ نُوحٍ، . . أَبْنَاءُ يَافَثَ: جُومَرُ وَمَاجُوجُ. . ]، كما ورد تفصيل بسفر حزقيال (إصحاحي: ۳٨، ۳٩ ) اختلط فيه الأصل الذي جاء به الأنبياء، بأماني اليهود، وجاء ذكر ياجوج بصيغة (جوج) ويبدو كقائد، و(ماجوج) كأرض أو شعب:[ ۲«يَاابْنَ آدَمَ، الْتَفِتْ بِوَجْهِكَ نَحْوَ جُوجٍ أَرْضِ مَاجُوجَ رَئِيسِ رُوشٍ مَاشِكَ وَتُوبَالَ. . هَا أَنَا أَنْقَلِبُ عَلَيْكَ يَاجُوجُ رَئِيسُ رُوشٍ مَاشِكَ وَتُوبَالَ (ملاحظة: نهر توبول شمال كازاخستان، شرق جبال أورال وغرب سيبريه، وماسك أو روش [الروس أو رئيس] ماسك Meshech قد يدل على نهر موسكو/ موسكوفا)، . . ٥ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ رِجَالُ فَارِسَ وَإِثْيُوبِيَا وَفُوطَ (ملاحظة: ليبيه، بنسخ أخرى). . ٦وَأَيْضاً جُومَرُ (ملاحظة: سمّر؟) وَكُلُّ جُيُوشِهِ، وَبَيْتُ تُوجَرْمَةَ (ملاحظة: قرم، جرمان، أرمن؟) مِنْ أَقَاصِي الشِّمَالِ. . لأَنَّكَ أَصْبَحْتَ لَهُمْ قَائِداً، ٨إِذْ بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ تُسْتَدْعَى لِلْقِتَالِ، فَتُقْبِلُ فِي السِّنِينَ الأَخِيرَةِ إِلَى الأَرْضِ. . ٩فَتَأْتِي مُنْدَفِعاً كَزَوْبَعَةٍ، وَتَكُونُ كَسَحَابَةٍ تُغَطِّي الأَرْضَ أَنْتَ وَجُيُوشُكَ وَكُلُّ مَنْ مَعَكَ مِنْ شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ. . . ١۳وَيَسْأَلُكَ أَهْلُ شَبَا وَرُودُسَ (ملاحظة:دَدَن، بنسخ أخرى) وَتُجَّارُ تَرْشِيشَ وَكُلُّ قُرَاهَا؛ . . . . وَقُلْ لِجُوجٍ. . ١٥وَتُقْبِلُ أَنْتَ مِنْ مَقَرِّكَ فِي أَقَاصِي الشِّمَالِ مَعَ جُيُوشٍ غَفِيرَةٍ، تُغَشِّي الأَرْضَ؛ كُلُّهُمْ رَاكِبُو خَيْلٍ وَجَمْعٌ عَظِيمٌ وَجَيْشٌ كَثِيرٌ. ١٦وَتَزْحَفُ عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ كَسَحَابَةٍ تُغَطِّي الأَرْضَ، أَنِّي فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ آتِي بِكَ إِلَى أَرْضِي. . حِينَ أُدَمِّرُكَ يَاجُوجُ. . »وَتَنَبَّأْ أَنْتَ يَاابْنَ آدَمَ عَلَى جُوجٍ. . ۲هَا أَنَا أَنْقَلِبُ عَلَيْكَ يَاجُوجُ رَئِيسُ رُوشٍ، مَاشِكَ وَتُوبَالَ، فَأُحَوِّلُ طَرِيقَكَ وَأَقُودُكَ وَأُحْضِرُكَ مِنْ أَقَاصِي الشِّمَالِ وَآتِي بِكَ إِلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ، . . ٤فَتَتَهَاوَى أَنْتَ وَجَمِيعُ جُيُوشِكَ وَسَائِرُ حُلَفَائِكَ الَّذِينَ مَعَكَ عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ، . . ٦وَأَصُبُّ نَاراً عَلَى مَاجُوجَ وَعَلَى حُلَفَائِهِ السَّاكِنِينَ بِأَمَانٍ فِي الأَرْضِ السَّاحِلِيَّةِ، . . . . ذَلِكَ الْيَوْمِ أَجْعَلُ لِجُوجَ مَوْضِعاً يُدْفَنُ فِيهِ فِي إِسْرَائِيلَ، . . إِذْ هُنَاكَ يَدْفِنُونَ جُوجاً وَسَائِرَ جُيُوشِهِ وَيَدْعُونَ الْمَوْضِعَ «وَادِي جُمْهُورِ جُوجٍ»].
وقد يدل الاسمان (يأجوج ومأجوج) على بوادي وسهول قارة آسيه برمتها [القاموس: وقرأ رُؤبَةُ: آجوجَ وماجوجَ، وأبو مُعاذٍ: يَمْجوجَ. وآجوجُ ويَمْجُوج: لُغتانِ في: يأجوجَ ومأجوجَ ]، خاصة وسط وشمال آسيه (سيبريه) وما حولها، وهي براري وفياف وبطاح شاسعة قد تمتد من الصين وبحارها حتى أعماق روسيه ونهري الدانوب والراين بأوروبه. كما قد تمتد بلادهم جنوباً حتى السدّين (السد الأول هو جبال الهملايا على الأرجح، والسدّ الآخر أحد السلاسل الجبلية المجاورة مثل وتيان شان وكون لون وآلتاي ) وشمالاً حتى سيبيريه وسواحلها: هندوكوش الشمالية وسكندناوه (سند ناوه) والبلطيق. وهي سهوب عشبية (تغزر عند الماء وتتصحر) تمتد من منشورية حتى البحر الأسود ومن منغوليه حتى أطراف بلاد الأفغان. فهذه البراري والبوادي تكاد تمثل حوالي نصف الأرض (العالم القديم).
وقد تبدو كلمة مغول قريبة لفظياً من الصيغة القرآنية ماجوج، التي قد تكون متعلّقة بالماء (موج ) وبالقاموس [ مُجاجُ المُزْنِ: المَطَرُ]، لعله نسبة لسكنهم الشمال والشرق عند الثلوج والجليد بسيبيريه ومنشوريه وشمال غرب الصين، أو نحو المحيطين الهادي والقطبي (وربما نحو كل سواحل المحيط القطبي الشمالي). وكذلك يأجوج إما من نحو الماء [اللسان: الأُجاج: الماءُ الملح، الشديد الملوحة ] أو لعلهم من الجهة (الشرق: آسيه/آجيه) والأجيج [اللسان: الأَجِيجُ: تَلَهُّبُ النار]، كلغة في الآسيويين (المشارقة، نحو أقصى الشرق)، فقد يكون اسم آسيه (وبالإنجليزية تلفظ آجيا)، لغة أو تحريف في لفظة ياجوج، وقد يكون لفظ (جوج) لغة قديمة في لفظة (آسيه/آجيه) أو قوقاز أو أوغوز /غُزّ (أحد أكبر الشعوب التركية). و[الأَجُوجُ: المضيءُ؛ عن أَبي عمرو، اللسان. وبالقاموس: الْأَجُوجُ: المُضِيءُ النَّيِّرُ]، أو أن تسمية ياجوج وماجوج متعلّقة بالبعد والأقاصي ونحو أطراف وأعماق ونهايات الأرض، [مأقة (سلّم/ مصعد، بلسان مصر القديم) ص ١٩٥، آلهة المصريين. القاموس: فَرَسٌ أَمَقُّ، بَيِّنُ المَقَقِ: طَويلٌ. أرضٌ مَقاءُ: بَعيدَةٌ. اللسان: المَقَقُ: الطول عامة، وقيل: هو الطول الفاحش في دقة؛. . يقال رجل أَمَقّ وامرأَة مَقَّاء. وخَرْق أَمَقّ: بعيد الأرْجاء. ومفازة مَقَّاء: بعيدة ما بين الطرفين، وكل تباعد بين شيئين مَقَقٌ، . . حصن أَمَقّ: واسع، القاموس: أمَجَّ زيدٌ: ذَهَبَ في البِلادِ، اللسان: الليث: المُؤق من الأرض والجمع الأمْآقُ النواحي الغامضة من أَطرافها؛ والمَهِيقُ: الأَرض البعيدة [ق: (والمُؤْقُ من الأَرَضينَ: نَواحيها الغامِضَةُ، ج: أَمْآقٌ]، . . المَعْق والمُعْق: كالعُمْق؛ بئر مَعِيقة كعميقة وقد مَعُقَتْ مَعاقة وأَمْعَقْتها وأَعْمَقتها وإنها لبعيدة العُمْق والمْعق وفَجّ مَعِيق، . . لغة أَهل الحجاز عَمِيق وبنو تميم يقولون مَعِيق، . . والمَعْقُ: بُعد أجواف الأرض على وجه الأرض. . والأَمْعاق والأَماعق والأَماعِيق: أَطراف المفازة البعيدة. وقال الجوهري: المَعْق قلب العَمْق؛ ومنه قول رؤبة:وإن هَمى من بعد مَعْقٍ مَعْقا، . . أي من بَعْد بُعْدٍ بُعْداً] أو الموج والمعج والاضطراب والاختلاط (عجاج الناس وموجهم) و[الْأَجَّةُ: الاخْتِلاطُ]، القاموس، وباللسان [العَجَاجُ من الناس: الغَوْغاءُ والأَراذِل ومَن لا خير فيه، . . ووقعوا في مَعْكُوكاء أي في غُبار وجَلَبة وشرّ، . . أَبو عمرو: أَجَّجَ إِذا حمل على العدو] ولعل المقطع (جوج) متعلّق بمعنى الجبال (كوش/قوقاز ) [ قأقأ (الارض المرتفعة، بلسان مصر القديم) ٤٦٤، آلهة المصريين، ومأقة (سلّم)]، وبنقوش العراق أن (جلجامش ذهب لجبال ماشو)، والاحتمالات عديدة.
فماجوج قد تكون بادية الصين الشمالية وشمالها الغربي ووسط وشرق سيبريه ( المغول:وقد تتقارب لفظة:[مغو]ل، مع لفظة [ماجو ]ج، وربما مثلها ماسك [نهر موسكو؟]بالتوراة) وكذلك منشوريه (شرق منغوليه) واسم شعبها (منشو/ Manchu )، وهم تتر. وقد يختلط المغول بالتتر (وهم ترك في الأغلب) وقوم جنكيز خان المغول قد ينتمون للتار السود (شمال صحراء غوبي). ولعل ماجوج من معنى نحو الموج (ماء المحيط القطبي الشمالي ومناطقه الجليدية سواء بسيبريه أو روسيه أو سكندناوه) أو أقاصي وأطراف الأرض [القاموس:عُقْبَةٌ مَحُوجٌ: بَعيدة].
وياجوج قد تكون بادية الصين الغربية وأواسط آسيه ووسط وغرب سيبريه والسهول الشمالية خاصة لبحر قزوين والبحر الأسود حتى جنوب وشرق روسيه (ولعل عمق ياجوج ولبّها هو بلاد تركستان الطبيعية الممتدة من صحراء المغول حتى بحر قزوين أو البحر الأسود، وكذلك غرب سيبريه). وكانت توجد قبيلة شمال بلاد منغولية تسمّى ياكوت (شمال شرق سيبريه)، ولعلها قريبة لفظياً من ياجوج، ولعل مثله الأيغور (واسمهم الأقدم Yuechi) وهم ترك (بشمال غرب الصين). فلعل يأجوج (أعراب شمال غرب آسيه؟) هم نواة الشعوب التركية [والترك مازالوا غالبية معظم وسط آسيه] ومن على شاكلتهم. ولعل منهم القرغيز والقوقاز والقبجاق والخزر (وقد يُسمّى بحر قزوين ببحر الخزر) والغُزّ (الأوغوز) والغزنويين والسلاجقة والخوارزمة والمماليك والعثمانيين والكومان والتركمان والقزق والشركس والأبخاز والمجر (لغة في مصر/مضر)، ولعل منهم كذلك الدول الإسلامية اليوم بتركستان وغيرها مثل: اذربيجان واوزبكستان وكازاخستان والشيشان وتركيه والطاجيك وتركمانستان وقرغيزستان وبعض أفغانستان].
ولعل مأجوج (أعراب شمال شرق آسيه؟) هم نواة الشعوب المغولية (قبائل متناثرة أصلها مناطق منغوليه ومنشوريه وسيبريه) ومن على شاكلتهم، مثل [بعض التتار]وبعض منشوريه وبعض الصين وغيرهم. والمغول عموماً ممزوجون امتزاجاً شديداً مع كثير من الأتراك، ولغات الترك والمغول تنتمي لمجموعة لغوية واحدة (لغات آلتاي)، فأظن الفاصل البسيط هو أن المغول شرّقوا أو أشأموا في مواطنهم غالباً والترك غرّبوا أو أيمنوا (أو أن المغول أقرب لسيبريه). وأكثرهم قد ذابوا وماجوا ببعضهم ثم في شعوب الأرض الذين تسربوا فيها أو غزوها. فلعل ياجوج وماجوج هم عموماً شعوب أقاصي وأطراف وآفاق الأرض (نحو بوادي وسواحل سيبريه وروسيه وسكندناوه والمحيط القطبي الشمالي).
ولعل من بلاد يأجوج ومأجوج انساحت قبائل سيبريّة ووسط آسيوية أعرابية مهاجرة عبر القرون الخالية، ومنذ ما قبل التاريخ سلماً أو غزواً، ماجت بالشعوب السلافية (الصقالبة)، شعوب روسيه وما حولها، (والسلاف/الصقالبة لا يُعرف لهم أصل). ولعل بلاد يأجوج ومأجوج عموماً أقرب ما كان يمثّلها هو الإتحاد السوفيتي.
ولعل من تلك البراري الواسعة خرجت كثير من القبائل البدوية الغازية منذ أقدم الأزمنة كالجوتيين (حوالي ۲۲۳۰ ق. م) الذين قضوا على أكد العراق (بدأوا عصراً مظلماً استمر أكثر من قرن)، والكاشّيين (أواخر قرن ١٨ ق. م، سمّتهم أكد:كاشّو) الذين تغلغلوا ببابل والعراق (عصرهم خامل لمدة ٦ قرون)، والآريين (منذ ١٥۰۰ق. م) الذين قدموا من أواسط آسيه (وقيل من سهول شمال بحر قزوين) عبر ممرات جبال الهندوكوش واستطونوا شمال الهند وأفغانستان وباكستان وإيران وماحولها، وقد كانت منطقة جنوب روسيه أو معظمها حتى (شمال البحر الأسود) مرتعاً لأعراب وسط آسيه (كالسخيط والقرمات) منذ ١٥۰۰ق. م، وأعراب السِمّر الذين استوطنوا نواحي القوقاز وشمال البحر الأسود (غزوا تركيه من شمالها، وقاتلوا أشور فهزمتهم، ودمّروا إحدى الممالك بوسط تركيه، وغزوا ليديه بغربها) ثم أزاحهم إعصار السخيط (في الأصل من وسط آسيه، من جبال آلتاي بحدود الصين، وقيل من تركستان وسيبريه الغربية، ولغتهم لها صلة بالإيرانية)، الذين غزوا آسيه الصغرى وهزمتهم أشور وليديه. والسخيط قبائل غازية (أسخوزا كما سمّتهم سجلات آشور قرن ٧ ق. م، وسمّاهم هيرودتس: سخيثي)، غزت وتواجدت بنواحي جنوب روسيه وشمال البحر الأسود حتى وسط أوروبه، وشمل اسمهم الأعراب من المجر حتى جبال تركستان، وتلاهم القرمات (القرم؟، وقيل لسانهم |